بيشوي عاطف.. نحات الصعيد الذي شكّل ملامح الجمال على جدران الكنائس

بيشوي عاطف

Written By عبدالرحمن خليفة
2025-05-20 12:38:43

وسط حواري قرية إبشادات بمحافظة المنيا، يجلس شاب عشريني في غرفة صغيرة، تتناثر حوله أدوات نحت بسيطة، وتعلو كتفيه طبقات من الغبار. بيشوي عاطف، 22 عامًا، لم يطرق أبواب الكليات الفنية، لكن بين أصابعه تسكن موهبة فطرية لا تخطئها العين. 

يخط بأنامله منحوتات تنطق بالجمال، وكأن يده تعرف طريقها إلى الإبداع من تلقاء نفسها، دون حاجة لخرائط أكاديمية، في صمته صوت فن حقيقي، وفي كل قطعة يصنعها، تنبض روح فنان قرر أن يؤمن بموهبته حتى النهاية.

يمارس بيشوي النحت منذ كان في الثامنة من عمره، برفقة خاله الذي له دور كبير في اكتشاف موهبته وصقلها، خاصة بعدما لاحظ ميوله الفنية في الرسم، لم يكن الطريق ممهَّدًا، لكنه شقّه بإصرار، إذ أحب النحت على جدران الأديرة والكنائس وتماثيل العذراء في المنيا وغيرها من الأعمال الفنية.

ظهور الموهبة

يسترجع بيشوي بداياته قائلًا: "أحببت النحت منذ صغري، وخالي لم يكن مجرد معلم، بل كان بمثابة أب في حياتي، علّمني المهنة بإخلاص وربّاني على حبّها". وعلى مدار سنوات من التعلّم والممارسة، بات اليوم ينفذ أعماله الفنية بثقة وتمكّن.

ورغم عدم التحاقه بكليات الفنون الجميلة أو التربية الفنية، لا يرى بيشوي في ذلك نقصًا، بل يراه دليلاً على أن الموهبة هي الأساس: "كثير من خريجي الفنون يأتون إلينا ليتعلموا الجانب العملي، لأن الفرق الحقيقي تصنعه الخبرة واليد التي تعشق ما تفعل".

يُكمل بيشوي حديثه بشغف: "النحت ليس مجرد مهنة بالنسبة لي، بل هو شغفي الحقيقي، أضع جزءًا من روحي في كل عمل، وأشعر بسعادة لا توصف حين أرى لمستي الخاصة تنعكس على التماثيل والجداريات التي أنجزها، كأنها تتحدث بصوتي".

أعمال بيشوي

يعتمد بيشوي في أعماله الفنية على خامة الطين الأصولي كأساس في النحت، إلى جانب استخدامه لمواد أخرى مثل الجبس والأسمنت، كما يمتلك مهارة خاصة في النحت على حجر الجرانيت، وهو من أصعب الخامات التي تتطلب دقة وصبرًا. 

لم تقتصر بصمته الفنية على نحت التماثيل في الأديرة والكنائس فحسب، بل امتدت أيضًا إلى مجال ترميم الجداريات والمجسمات الأثرية، مثل مشاركته في ترميم الجداريات بدير أبو فان بقرية هور، إضافة إلى إسهامه في ترميم مجسمات تحكي مسار العائلة المقدسة في منطقة جبل الطير بمركز سمالوط، وهو مشروع يحمل طابعًا روحانيًا وتاريخيًا عميقًا.

ورغم التحديات اليومية التي قد تواجهه خلال تنفيذ أعماله، إلا أن بيشوي لا يرى فيها عوائق أو إحباطًا، بل يعتبرها محطات تعليمية وتجارب تغني مسيرته المهنية: "قد نواجه صعوبات في العمل لكن بفضل ربنا بتتحل، ولما بشوف نظرات الإعجاب في عيون الناس، بنسى كل التعب".

ومن بين جميع أعماله، يعتز بيشوي كثيرًا بمشروع خاص تولّاه في إحدى كنائس مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، حيث كانت الكنيسة لا تزال في مراحلها الإنشائية الأولى، مجرد طوب أحمر، وتولى هو تصميمها ونحت جدارياتها من الألف إلى الياء، بدءًا من النحت وصولًا إلى تنفيذ الجداريات كاملةً، ما جعل لهذا المشروع مكانة مميزة في قلبه. 

كما يفتخر أيضًا بتمثال السيدة العذراء الذي نحته خصيصًا لكنيسة في عزبة نخلة التابعة لمركز سمالوط، والذي يعتبره من أبرز أعماله وأكثرها تعبيرًا عن موهبته وتفانيه.

لا يقتصر عمل بيشوي على نطاق محافظة المنيا فقط، بل يمتد إلى عدد من المحافظات الأخرى، حيث يسافر للعمل في الكنائس والأديرة في محافظات مصر: "أحب تلك الرحلات بشدة ويشاركني فيها شقيقي الذي تعلم النحت أيضًا على يد خالي، ونشكل معًا فريقًا فنيًا ويطلبنا كثيرون للعمل والنحت".

رغم أحلامه التي تبدو بسيطة فإن بيشوي يأمل في المستقبل أن يمتلك ورشة خاصة به، و"أتيليه" يحمل اسمه، يجمع فيه أعماله وينفذ من خلاله مشاريعه: "لا أفكر في المشاركة بالمعارض الفنية، لأنها توجه فقط لخريجي كليات الفنون الجميلة والتربية الفنية وليس كل الموهوبين".

 اختار بيشوي طريقًا مختلفًا، طريق الموهبة التي لا تنتظر التصفيق، بل تكتفي ببصمة تُخلَّد على جدار كنيسة أو في ملامح تمثال. هو ابن الصعيد الذي نحَت لنفسه مكانًا بين الفنانين بيدٍ تعلّمت خارج جدران الدراسة الأكاديمية.

بيشوي عاطف