خرجت سحر محمد، 24 عامًا، مع صديقاتها في شارع السوق بأسوان، لتستمتع بيومها إلا أن موقفًا غير متوقع جعل تجربتها تحمل بعدًا أمنيًا واجتماعيًا معقدًا. في أثناء سيرهن، اضطرت إحدى صديقاتها الدخول إلى دورة المياه العمومية في الشارع، لكن المفاجأة كانت عند دخول رجل إلى الحمام، قائلًا إنه المسؤول عن المكان ويريد معرفة عددهن لتحصيل تذكرة دخول.
تحكي سحر لـ"عين الأسواني": "لأن عددنا كان كبيرًا، دخل معظمنا الحمام والأخريات انتظرن بالخارج. حاولنا منعه من الدخول لكنه أصر رغم عدم وجود سبب لذلك، وبدأ الشجار وتراشق الألفاظ البذيئة بيننا، كما أن الحمام لم يكن به أقفال".

تفاوت التوزيع بين الرجال والنساء
توضح سحر أن هذه التجربة التي مر عليها خمس سنوات، كانت الأولى والأخيرة التي فكرت فيها الدخول إلى دورة مياه عمومية. إذ تعكس أزمة أكبر تتعلق بتوافر دورات مياه عمومية آمنة للنساء، خاصة في الأماكن العامة والأسواق، حيث تلعب هذه المرافق دورًا ضروريًا في خدمة المواطنين، لا سيما كبار السن والمرضى.
تكشف نشرات خدمات المرافق العامة الصادرة عن جهاز الإحصاء في الفترة من عام 2020 حتى 2024، أن توزيع دورات المياه العمومية في محافظة أسوان غير متوازن بين الجنسين، بينما يوجد 40 حمامًا عموميًا مخصصًا للذكور، لا تتوافر سوى 17 حمامًا مخصصًا للإناث وفقًا لنشرة عام 2024، وهو ما يضاعف من صعوبة وصول النساء إلى هذه الخدمات.
وتُشير المعاينات الميدانية لـ"عين الأسواني" إلى أن العديد من حمامات النساء العمومية تعاني من نقص النظافة، وضعف معايير الأمان والسلامة، فضلًا عن عدم توافر وسائل راحة أساسية مثل المياه الجارية والمقاعد النظيفة، هذا الواقع يجعل النساء عرضة لمواقف محرجة وأحيانًا خطرة، في ظل غياب رقابة وزارة التنمية المحلية.

- يتناقض ذلك مع المادة 78 من الدستور التي تنص على: "توفير بيئة مناسبة تتضمن مرافق أساسية ونظيفة، عبر تنفيذ خطة وطنية للإسكان تراعي البعد البيئي وخطط للقضاء على العشوائيات وإعادة تخطيطها خلال مدة زمنية محددة".
تقول ندى نشأت، مديرة برنامج المشاركة العامة للنساء بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، لـ"عين الأسواني"، إن تصميم دورات المياه العمومية يجب أن يراعي معايير الأمان والنظافة لحماية المترددين من الأمراض ومنع استخدامها كأماكن لارتكاب اعتداءات على النساء والفتيات.
ضغط غير متوازن
وفي نفس السياق، تكشف بيانات نشرة "مصر في أرقام" الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد الذكور في محافظة أسوان حتى 1 يناير 2025 يبلغ 859,025 نسمة، ويخدم كل حمام عمومي للذكور حوالي 14 ألف رجل.
أما عدد الإناث يبلغ 834,975 نسمة، ويخدم كل حمام عمومي للإناث نحو 32 ألف سيدة، ما يظهر فجوة واضحة في التوزيع بين الجنسين ويضاعف وقت الانتظار للنساء. ويعني ذلك أن دورات المياه النسائية أكثر ضغطًا بحوالي 129%.

وبالمقارنة بين محافظة أسوان وبعض محافظات صعيد مصر الأخرى، مثل محافظة الأقصر التي تشترك معها في النشاط السياحي ويبلغ عدد سكانها نحو 1,412,000 نسمة، يتضح فرق توزيع دورات المياه العمومية.
في الأقصر، يتوفر لكل من الرجال والنساء نحو 11 دورة مياه، أي أن عدد الحمامات متماثل بين الجنسين. وبما أن عدد الذكور في الأقصر يفوق عدد الإناث، فإن الضغط على دورات المياه النسائية أقل بنسبة تقريبية تبلغ 6% مقارنة بدورات المياه المخصصة للرجال، مما يجعل الوصول إلى هذه الخدمات أسهل نسبيًا للنساء مقارنة بمحافظة أسوان.
أثر النظافة على الصحة العامة
وتتابع "سحر" تفاصيل الواقعة التي حدثت لها وأثرت على تجربتها الأخيرة مع دورات المياه العمومية، قائلة: "بدأ الشخص بالشجار معنا في الشارع دون أي رد فعل من الناس، ووصل الأمر إلى إصرارنا على عمل محضر في قسم الشرطة، لكن عائلاتنا رفضت".
فيما تشير الجمعية الملكية للصحة العامة في المملكة المتحدة (RSPH) في تقرير عام 2019، إلى أن النسبة التقليدية لدورات المياه للنساء مقارنة بالرجال 1:1 لا تعكس الواقع، حيث غالبًا ما يستخدم الرجال الحمامات بسرعة أكبر.

وتوصي الجمعية بأن تكون النسبة 2:1 لصالح النساء لضمان عدالة وقت الانتظار، مع مراعاة عوامل مثل طبيعة ملابس النساء التي تستغرق وقتًا أطول في الخلع، بالإضافة إلى فترات الحيض والاختلافات.
قامت "عين أسواني" بجولة ميدانية داخل خمس دورات مياه عمومية بمدينة أسوان، شملت مناطق شارع السوق وكورنيش النيل. ولاحظت الجولة أن بعض دورات النساء كانت مغلقة خلال أوقات الظهيرة، بينما كانت دورات الرجال متاحة في نفس التوقيت.
أما شارع السوق، احتوى على ثلاث دورات مياه فقط تفصلها مسافة حوالي كيلو ونصف، بينما لوحظ غياب تام لدورات المياه في مناطق مثل شارع كسر الحجر، وحولي محكمة أسوان، والشارع الجديد.
كما لوحظ وجود أشخاص يتولون تحصيل رسوم 5 جنيهات دخول دون ارتداء زي رسمي، وبعضهم يقوم بالانتظار بجانب دورات المياه بطريقة غير منظمة.
تتقاطع تجربة مروة محمود، 27 عامًا، مع ما روته سحر، تؤكد لـ"عين الأسواني" إنها تتجنب تمامًا دخول أي حمام عمومي، بسبب شعورها الدائم بعدم الأمان واحتمال التعرض لمضايقات: "أبحث دائمًا عن حمام داخل مول قريب، وإذا لم أجد، أضطر للبحث عن حمام داخل مطعم وأتظاهر وكأنني سأجلس فيه حتى لا أتعرض لأي إحراج، بخلاف ذلك، لا أستخدم أي حمام خارج البيت".
ويُعيد هذا التخوّف تسليط الضوء على الجانب الصحي المرتبط بنظافة هذه المرافق، ففي تعليقها على خطورة استخدام الحمامات غير النظيفة، توضح الدكتورة إيمان سعد، طبيبة النساء والتوليد بمستشفى غرب أسوان، أن غياب النظافة يحوّل دورات المياه العمومية إلى بيئة خصبة لنقل العدوى.
وتشير لـ"عين الأسواني" إلى أن بعض الأمراض مثل داء المشعرات "Trichomoniasis" يمكن أن تنتقل بسهولة من الأسطح الملوثة، موضحة أن هذه الكائنات الدقيقة قادرة على الحركة والبقاء لفترة، مما يجعل الجلوس على مقعد غير نظيف خطرًا حقيقيًا قد يتسبب في مضاعفات قد تصل إلى العقم في بعض الحالات.
وتلفت إلى أن خوف النساء من استخدام تلك المرافق يدفعهن أحيانًا لعدم شرب المياه قبل الخروج أو الانتظار لساعات طويلة حتى العودة للمنزل، وهو ما ينعكس سلبيًا على صحة الجهاز البولي، وتؤكد أن الحل يكمن في توفير عدد أكبر من الحمامات العمومية النظيفة والآمنة.
المرافق النسائية بحاجة للاهتمام
بجانب ذلك تشير نتائج دراسة مجلة طب الأسرة، إلى أن استخدام المرافق الصحية غير النظيفة قد يزيد من خطر الإصابة بعدوى الجهاز البولي التناسلي، التي ترتبط بها مشكلات صحية أخرى مثل التهاب الكلية الحاد، إضافة إلى بعض المضاعفات أثناء الحمل مثل تمزق الأغشية المبكر. لذلك نظافة المرافق العامة هي ضرورة صحية لا يجب إغفالها.
وترى ندى نشأت، مديرة برنامج المشاركة العامة للنساء بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن مشكلة الحمامات العمومية لا ترتبط فقط بالنظافة، بل تتجاوز ذلك إلى تصميم الموقع نفسه: "وجود الحمامات في أماكن جانبية أو بعيدة عن حركة الناس، خصوصًا في المحافظات البعيدة مثل الصعيد حيث تخلو الشوارع في فترات الظهيرة والعصر، يعزز فرص حدوث اعتداءات أو مضايقات".
وتشدد نشأت على ضرورة توفير حمامات للنساء في أماكن ظاهرة ومأهولة، وضمان وجود إشراف فعّال يوفر الحد الأدنى من الحماية، خاصة للأطفال الذين يستخدمونها أثناء ذهابهم للدروس أو المدرسة.

تواجه سلمى محمد، 19 عامًا، مخاوف كثيرة عند التفكير في استخدام الحمام العمومي داخل المول التجاري بمدينة أسوان، حيث تعمل نحو ست ساعات يوميًا. وأوضحت سلمى لـ"عين أسواني" أن ترددها في دخول الحمام يعود إلى شكوكها حول مستوى النظافة، خاصةً مع استخدامه من قِبل العاملين في عدة محلات بالمول.
وتلجأ سلمى، الطالبة الجامعية، إلى قضاء حاجتها قبل الخروج من المنزل أو الانتظار حتى العودة إليه: "لا أضمن نظافة الحمام أو حالة من استخدمه قبلي، لذلك أشعر أن تجنبه أكثر أمانًا". وخلال تجربتها العملية في المحلات التجارية، ظل استخدام الحمام خيارًا بعيدًا عنها خوفًا من انتقال الأمراض.
في المقابل، عند مقارنة محافظة المنيا، أكبر محافظات الصعيد من حيث عدد السكان بواقع 6 ملايين و511 ألف نسمة، بمحافظة أسوان، يتضح الفرق في توزيع دورات المياه العمومية بين الرجال والنساء. ففي أسوان، تخدم كل دورة مياه للرجال، وعددها 18 دورة، حوالي 186 ألف رجل، بينما تخدم كل دورة مياه للنساء، وعددها 13 دورة، نحو 243 ألف سيدة، أي أن الضغط على دورات النساء أعلى بنسبة تقارب 31%.
هذا يعني أنه رغم أن عدد سكان أسوان أقل من المنيا، إلا أن النساء في أسوان يواجهن ضغطًا أكبر على دورات المياه العمومية.
ترى سلمى أن وضعها قد يكون أفضل نسبيًا من بعض النساء العاملات في محلات تجارية منفصلة، حيث تكون دورات المياه المشتركة أو الأقل نظافة أكثر شيوعًا في الأماكن غير المجهزة جيدًا.
تؤثر تلك التحديات على النساء في أسوان، اللواتي يجدن صعوبة في الاعتماد على دورات المياه العمومية اليومية، سواء لأسباب تتعلق بالنظافة أو الأمان أو عدم توفر المرافق الكافية، وتدل تجاربهن على الحاجة الملحة لتطوير هذه الخدمات.