الشعلة الأخيرة.. نقص أسطوانات الغاز ينعش السوق السوداء بأسوان

Photographer: حبيبة إبراهيم - توزيع أسطوانات الغاز في أسوان

Written By أمنية حسن
2025-04-22 12:23:45

لأكثر من أسبوعين، خاض عمرو السجير، أحد سكان مركز كوم أمبو، رحلة شاقة بحثًا عن أسطوانة غاز واحدة لمنزله. فمنذ توقف مشروع إدخال الغاز الطبيعي للمنطقة في عام 2022، أصبحت الأسطوانات هي الوسيلة الوحيدة للطهي وسخان المياه، وبات الحصول عليها معركة يومية.

يحكي عمرو أن الأزمة بدأت مع اختفاء سيارات أسطوانات الغاز المتنقلة في يناير الماضي، التي كانت تجوب الشوارع للتوزيع على الأهالي، ومع تزايد الحاجة، لم يجد أمامه إلا أن يتواصل مع بعض سائقي السيارات أنفسهم بحثًا عن تفسير.

يقول: "السائقون قالوا أن المصنع مش بيوفر الكميات المطلوبة، الجميع كان يتحدث عن أزمة حقيقية في التوريد جعلتهم عاجزين عن تلبية احتياجات الناس، لكن مفيش حل.. وإحنا اللي بندفع التمن في الآخر". استبدل عمرو أنبوبة الغاز بالسخان الكهربائي الذي يستهلك وقتًا وكهرباءً أكثر.

نقص حاد

مطلع العام الحالي، واجهت مراكز عدة في محافظة أسوان أزمة حادة؛ بسبب نقص أسطوانات الغاز، في وقت لم يدخل فيه الغاز الطبيعي إلى هذه المناطق بعد، ولم يقتصر الأمر فقط على صعوبة الحصول على الأسطوانات، بل فتح الباب أمام انتعاش السوق السوداء، حتى قفز سعر الأسطوانة الواحدة إلى 280 جنيهًا بينما كان سعرها الرسمي 150 جنيهًا أي بزيادة تقارب 130 جنيه للأنبوبة الواحدة، وهو سعر يفوق قدرة كثير من الأهالي.

بعد عشرين يومًا من الانتظار دون توافر حل رسمي سواء لتوفير الاسطوانات أو للسيطرة على السوق السوداء؛ وجد السجيري أخيرًا سيارة توزيع أسطوانات الغاز تمر في منطقته، هرع إليها واشترى أسطوانة الغاز بسعر 200 جنيه، يقول: "كنت بشتريها بـ180 جنيه، بس دلوقتي مجبر لأن مفيش بديل".

وسط هذه المعاناة اليومية، جاء قرار لجنة التسعير للمنتجات البترولية بتحريك أسعار أسطوانات الغاز في 11 أبريل الجاري، ليزيد من المعاناة، فلم يعد الأمر مقتصرًا على النقص بل أصبح هناك تحديًا ماليًا مرهقًا للكثير من الأسر البسيطة في أسوان بسبب ارتفاع سعرها.

في سبتمبر العام 2024 وفق بيانات مجلس الوزراء كان السعر الرسمي لأسطوانة الغاز المنزلي سعة 12.5 كجم محددًا عند 150 جنيهًا فقط، ولكن ومع إعلان لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية عن الأسعار الجديدة حددت محافظة أسوان السعر الرسمي للأسطوانة عند 200 جنيه. 

المفارقة أن هذا السعر الجديد هو نفسه الذي كان يدفعه السجيري من قبل، ولكن خارج إطار التسعيرة الرسمية، إذ أن النقص دفعه إلى السوق السوداء مجبرًا.

مركز كوم أمبو، يُعد واحدًا من أبرز المناطق التي ما زالت محرومة من دخول شبكة الغاز الطبيعي، ما يضاعف من الأزمة، إذ أنه في مارس الماضي أعلن محافظ أسوان عن استمرار التنسيق مع وزارة البترول للانتهاء من الإجراءات الخاصة بمسار توصيل الغاز الطبيعي في المركز على مسافة 22 كم، أي أن المشروع لا يزال قيد التخطيط، بينما يواصل السكان الاعتماد الكامل على الأسطوانات بما تحمله من أعباء إضافية.

نقص إمدادات الغاز الطبيعي

يؤكد وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن التوسع في توصيل الغاز الطبيعي إلى المنازل يمكن أن يساهم بشكل كبير في الحد من مشكلة التوزيع غير العادل لأسطوانات البوتاجاز وتفاقم السوق السوداء، مشيرًا إلى أن الغاز الطبيعي قادر على الوصول إلى مناطق يصعب على الأسطوانات الوصول إليها.

ويرى في حديثه لـ"عين الأسواني" أن نجاح هذه الخطوة يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الدولة على تنفيذ عمليات التوسيع والتمديد، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة، إلى جانب تحديات أخرى مرتبطة بالطبيعة الجغرافية للمنطقة، مثل نوعية التربة والمسافة بين المدن والشبكات المغذية الرئيسية كما في أسوان.

لكن الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة الطاقة والبترول، يؤكد أن هناك مخزونًا استراتيجيًا في مصر من أسطوانات الغاز يكفي لمدة تصل إلى 45 يومًا، مما يدل على توفر كميات مناسبة لتغطية الاحتياجات، موضحًا أن الأزمة في أسوان قد تكون مصطنعة من قبل البعض للتربح في السوق غير الرسمية.

وهنا يشير القليوبي إلى أن الأزمة الحقيقية ترجع إلى ضعف الرقابة على التوزيع، مما يستدعي دورًا أقوى من المجالس المحلية لضمان وصول الأسطوانات بشكل عادل إلى المواطنين والقضاء على السوق السوداء.

كانت مجيدة حسين، من منطقة السيل، إحدى ضحايا السوق السوداء لأسطوانات الغاز، إذ اضطرت إلى شراء أسطوانة جديدة بعد نفاد ما لديها، لكنها فوجئت عند تواصلها هاتفيًا مع موزع متنقل في منطقتها بأن السعر ارتفع إلى 250 جنيهًا، بعدما كانت تشتريها سابقًا بـ200 جنيه فقط.

تقول: "أصبحت أسطوانات الغاز تمثل عبئًا يوميًا وماليًا علينا، لأنها غير متوفرة وسعرها زاد عن السعر الرسمي بشكل كبير، والمستودعات لما بنروحها بتقول مفيش، والسيارات اللي بتيجي من المصانع مباشرة فيها نقص مما أنعش السوق السوداء".

انتعاش السوق الموازية

يؤكد السجير حديث مجيدة، إذ أنه ذهب إلى المستودع القريب من محل سكنه في منطقة النجاجرة بكوم أمبو في محاولة للحصول على أسطوانة الغاز، إلا أنه تفاجأ بخلو المستودع من أي أسطوانات متوفرة فلم يكن أمامه سوى السوق السوداء.

خاضت معدة التقرير تجربة ذاتية داخل السوق السوداء لبيع أسطوانات الغاز، حيث تواصلت مع بائع غير رسمي ووجدنا توافر أسطوانات غاز لديه بسعر 250 جنيهًا، بفارق 50 جنيها عن السعر الرسمي داخل المستودعات.

وأوضح البائع أنه لم يعد هناك أي مكان يبيع الأسطوانة بسعر 200 جنيه في ظل أزمة النقص الحالية وبعد الزيادة الأخيرة، وأن بعض المواطنين يضطرون للانتظار لأيام أو دفع مبالغ إضافية لضمان الحصول على الأسطوانة.

لم تكن الزيادة الأخيرة في أسعار أسطوانات الغاز هي الأولى من نوعها. خلال الفترة من 2021 إلى 2025، شهدت الأسعار ست زيادات خلال خمس سنوات، بنسبة ارتفاع سنوية تقدر بنحو 208%، وذلك وفقًا لقاعدة بيانات أعدتها معدة التقرير استنادًا إلى بيانات مجلس الوزراء، ويُلاحظ أن عام 2024 وحده شهد زيادتين في أسعار الأسطوانات.


وصل الغاز الطبيعي إلى نحو 8 ملايين وحدة سكنية على مستوى الجمهورية، بما يغطي حوالي 56% من إجمالي الوحدات السكنية في المناطق الحضرية؛ مما أدى إلى الاستغناء عن نحو 143 مليون أسطوانة، في وقت تستهلك فيه مصر يوميًا 820 ألف أسطوانة غاز وفق القليوبي.

لذا يوضح وائل النحاس الخبير الاقتصادي، أن جدوى توصيل الغاز إلى المدن تُقيم بناءً على رؤية الدولة للتكلفة، إذ تتم مقارنة تكلفة التوصيل مع تكلفة الاعتماد على الأسطوانات، لاختيار الخيار الأقل تكلفة. 

ويشدد على ضرورة إعادة تقييم حجم الاحتياج الفعلي لكل منطقة ومستوى الطلب، لضمان قدرة الدولة على توفير الغاز في الوقت المناسب وبالكميات المطلوبة.

محاولات التوفير

في 20 يناير الماضي، أعلن محافظ أسوان، عبر بيان رسمي نشرته الصفحة الرسمية للمحافظة، عن اتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة لمعالجة أزمة نقص أسطوانات الغاز، تضمنت تخصيص حصة إضافية من أسطوانات البوتاجاز لأسوان، وتخصيص مساحات لإنشاء مصنع ومحطة تعبئة ثابتة، بالإضافة إلى إقامة محطتين تعبئة متنقلتين، بهدف الحد من الاحتكار وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلًا.

لكن هذه الإجراءات لم تُحدث فارقًا في حياة فرح صلاح، من حي المحمودية، عانت طوال 20 يومًا داخل منزلها دون أسطوانة غاز، إذ اضطرت للعيش على سخان صغير للطهي، واضطرت إلى شراء الطعام من الخارج.

تروي فرح لـ"عين أسواني" أن سيارات توزيع الأسطوانات بدأت تختفي من شوارع المنطقة، مما جعلها غير قادرة على العثور على أي أسطوانة غاز. 

حاولت الاتصال بالموردين، لكن ردودهم كانت غير واضحة، لذا قررت هي وأفراد أسرتها الذهاب إلى المستودعات القريبة في منطقتي الصالحين وكيما، ولكنهم لم يجدوا أي أسطوانات هناك، وتلقوا وعودًا بوصول سيارات الغاز قريبًا.

في عام 2015، شهدت منطقة الصداقة إطلاق أول شعلة غاز طبيعي بحضور طارق الملا، وزير البترول والثروة المعدنية وقتها، واللواء أحمد إبراهيم، محافظ أسوان آنذاك، في إطار المشروع القومي لتوصيل الغاز الطبيعي للمنازل.

ومع ذلك، ظلت بعض مناطق أسوان، مثل مركز نصر النوبة وبعض القرى في إدفو وكوم أمبو، دون وصول خدمة الغاز الطبيعي، مما جعل سكانها من أوائل المتأثرين بأزمة نقص وارتفاع أسعار أسطوانات الغاز.

تراجع دعم البترول

تراجع دعم المواد البترولية في الموازنة العامة للعام المالي 2025/2026 إلى نحو 75 مليار جنيه، مقارنة بـ154.4 مليار جنيه في العام المالي 2024/2025، بنسبة 51.4%. 

ويأتي هذا التراجع ضمن التزام الحكومة برفع الدعم نهائيًا عن المحروقات بنهاية 2025، بناءً على طلب صندوق النقد الدولي، إذ ارتفع سعر أسطوانات الغاز من 150 إلى 200 جنيهًا بعد قرار لجنة التسعير التلقائي في 11 أبريل الماضي.

ووفقًا لتصريحات رئيس مجلس الوزراء، من المتوقع أن يشهد عام 2025 ثلاث زيادات جديدة في أسعار البنزين والسولار وأسطوانات الغاز، بالتزامن مع تخفيض الدعم بنسبة 51.4% ليصل إلى 75 مليار جنيه مقابل 154.4 مليار جنيه في العام المالي 2024/2025، على أن تراجع الأسعار كل ثلاثة أشهر.

تشير بيانات الموازنة العامة 2024/2025 إلى أن تقديرات برنامج دعم توصيل الغاز الطبيعي للمنازل بلغت نحو 3.5 مليون جنيه، وهو نفس المبلغ الذي تم تخصيصه في مشروع الموازنة العامة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أي أن ميزانية توصيل الغاز الطبيعي لم تشهد زيادة تتناسب مع زيادة الأسعار.

ويستهدف البرنامج استكمال توصيل الغاز الطبيعي للأسر المستهدفة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على أسطوانات البوتاجاز وتخفيض الدعم الموجه لها.

ويؤكد خبير الطاقة جمال القليوبي أن بعض مناطق أسوان تتوفر بها خدمة الغاز الطبيعي، بينما لا تزال مناطق أخرى محرومة منها بسبب الحاجة إلى استكمال شبكات التغذية.

ويوضح أن العمل جارٍ لتوصيل الغاز إلى هذه المناطق مستقبلًا، لكنها تواجه أزمة وهي أن بعض المناطق تفتقر إلى شبكات صرف صحي للمنازل، مما يمنع إدخال الغاز الطبيعي إليها، إذ يشترط توفر نظام صرف صحي متكامل قبل بدء التوصيل.

تحرك النواب

أظهرت بيانات شركة الغازات البترولية بتروجاس (حكومية تتبع الهيئة العامة للبترول والمسؤولة عن توفير وتعبئة غاز البوتاجاز)، أنها قامت بتعبئة نحو 310 ملايين أسطوانة بوتاجاز خلال العام المالي 2023/2024، مقارنة بـ309 ملايين أسطوانة في 2021/2022.

ووفقًا لما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات في مارس 2024، يقدّر استهلاك مصر السنوي من أسطوانات البوتاجاز بنحو 280 مليون أسطوانة.

دفعت معاناة المواطنين في الحصول على أسطوانات الغاز لجنة مشتركة من مجلس النواب، بناءً على طلب النائبة ريهام عبدالنبي، عضو مجلس النواب عن محافظة أسوان، إلزام شركة الغاز بوضع جدول زمني لحل مشكلات أسطوانات الغاز في أسوان قبل نهاية العام.

حاولت معدة التقرير التواصل مع المهندس كريم بدوي، وزير البترول، والمهندس معتز عاطف المتحدث الرسمي للوزارة، هاتفيًا وعبر رسائل تطبيق "واتساب"، للاستفسار حول أزمة نقص أسطوانات الغاز في بعض مناطق محافظة أسوان التي لم تصلها شبكة الغاز الطبيعي حتى الآن،  وللتأكد من وجود خطة زمنية لتوصيل الخدمة إليها، إلا أنها لم تتلق رد حتى نشر التقرير.

أصبحت رحلة البحث عن أسطوانة غاز جزءً أساسيًا من حياة السجير ومجيدة وفرح، الذين يواجهون يوميًا صراعًا مرهقًا لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغاز، في ظل غياب شبكة الغاز الطبيعي وتراجع الرقابة على التوزيع.

Photographer: حبيبة إبراهيم - توزيع أسطوانات الغاز