أسوان.. بين الذاكرة والرحيل

تصميم/ محمد صلاح

Written By إسراء عبد المنعم
2025-07-19 13:53:23

في الجنوب، حيث يمتدّ النيل في خطٍ ناعم كجملةٍ لا تنتهي، تجلس أسوان كأنها تحرس التاريخ بجسدٍ أنهكه النسيان تبدو هذه المدينة، للغريب، وكأنها تنام على كتف الزمن في راحة، لكنها في الحقيقة تتقلب كل ليلة بين وجعين متداخلين: تهجير قديم ترك جذور النوبة معلقة في ذاكرة الماء، وواقع جديد يدفع شبابها إلى المغادرة كأنهم يسيرون على خريطة لا مكان فيها للعودة.

بيوت من طين.. ومن حنين

قبل أكثر من نصف قرن، غمرت بحيرة ناصر مئات القرى النوبية، لم تكن تلك القرى مجرد مبانٍ، بل كانت حكايات تُروى باللهجتين الفاديجا والمحسية، كانت أغانٍ تغنى في الليل فوق الأسطح، أسماء محفورة على جدران الطين.. حين هُجر السكان إلى "النوبة الجديدة"، لم يأخذوا معهم شيئًا سوى الذاكرة، ظن البعض أنها ستبرد بمرور الوقت، لكن ما حدث أنها ظلت ساخنة، كأنها تغلي ببطء داخل كل جيل.

أحفاد المُهجرين ما زالوا يحفظون أسماء القرى الغارقة: قورتة، الدكة، أبوهور، كلابشة... أسماء لا تظهر على خرائط غوغل، لكنها تُذكر في الأغاني، وفي السيرة الهلالية، حين تُمزج باللهجة النوبية، وفي الحنين الذي يطفو على ألسنة الجدّات.

التهجير لم يكن فقط مكانيًا، بل كان لغويًا وثقافيًا. اليوم، كثير من أبناء النوبيين لا يتحدثون لغتهم الأصلية، إلا كلمات متناثرة، بعضهم يتعلمها من "يوتيوب"، وبعضهم يخجل منها أمام أقرانه، اللغة تُنسى حين لا تُقال، والثقافة تُمحى حين تُهمش.

ومع ذلك، في الأعراس النوبية، يعود كل شيء للحياة. الإيقاع يتسارع، والأغاني تخرج من القلوب وليس فقط من الحناجر، في تلك اللحظات القصيرة، تعود النوبة، لا كجغرافيا، بل كنبضٍ مؤقت ضد الغياب.

الشباب والقطار الراحل

بينما تعاني الهوية النوبية من النسيان، يواجه جيل جديد أزمة أخرى: الانتماء إلى مدينة لا تمنحهم الأفق، في كل حوار مع شاب أسواني، يتكرر سؤال خفي: هل سأبقى هنا؟ غالبًا ما تكون الإجابة معلقةً بين الحلم والمغادرة.

الفرص ضئيلة، نسبة البطالة مرتفعة مقارنة بالمحافظات الأخرى، الصناعة محدودة، والزراعة لم تعد كافية، والسياحة تُدار غالبًا من قِبل شركات من خارج المدينة، التعليم الجامعي لا يضمن وظيفة، والمهارات التقنية، لا تجد سوقًا، يقول أحد خريجي التجارة "هنا لا أحد يسألك ماذا درست، بل يسألك ناوي تسافر إمتى؟"

المفارقة المؤلمة أن الشباب يُولدون في واحدة من أجمل بقاع الأرض، لكنهم يُجبرون على مغادرتها كي يعيشوا حياة كريمة، يُطلق البعض على الرحيل من أسوان وصف "الهجرة من الجنة" ليست الجنة هنا خرافة، بل هي الجمال الذي لا يكفي وحده لصناعة المستقبل.

في جلسات الأصدقاء، يتحول الحديث من أخبار الكافيهات القليلة، إلى أسعار تذاكر القطار، إلى آخر من "سافر الخليج" أو "نزل القاهرة". الجميع يبحث عن فتحة ضوء في سقفٍ منخفض في قلوبهم، لا عداء مع أسوان، بل حزن لأنها لم تعد تتسع لهم.

ما بين النسيان والنجاة

ما يربط بين أزمة الهوية وأزمة الشباب، هو الإقصاء.. يشعر النوبيون أنهم أُقصوا من المكان والتاريخ الرسمي، والشباب يُقصون من الحاضر والمستقبل. الاثنان يشعران بأنهم على الهامش، في مدينةٍ جميلة لكنها لا تسمع أصواتهم.

في هذه الهوامش، تتكاثر الأسئلة الصامتة هل يمكن للهوية أن تنجو في غياب الأرض؟ هل يمكن للشباب أن يصنعوا مستقبلًا دون أن يغادروا؟ لماذا يتحول الانتماء إلى عبء، بدلاً من أن يكون جذرًا للثبات؟

بعض الشباب وجد في الفنون مهربًا، ظهرت فرق موسيقية نوبية تحاول استعادة الإيقاع القديم بروح جديدة، وبدأت مبادرات صغيرة لتعليم اللغة النوبية في البيوت، آخرون لجأوا إلى العمل المجتمعي، لكن هذه المحاولات غالبًا ما تصطدم بغياب الدعم، وبالسقف المحدود للحرية والتمويل.

في قرى النوبة الجديدة، يظهر التناقض واضحًا طرق غير ممهدة، مستشفيات بلا تجهيزات، وشباب يجلسون على المقاهي يتحدثون عن فرص في الخارج، بينما على الجدران تُرسم لوحات تحمل عبارات مثل "عائدون" أو "لن ننسى الأرض".

الصوت الغائب

الإعلام الوطني نادرًا ما يُبرز القضايا النوبية حين تظهر النوبة في فيلم أو مسلسل، تكون ديكورًا للبطولة، أو خلفية سياحية بلا عمق، ولا أحد يتحدث عن الفقر في قرى نصر النوبة، أو عن المدارس التي تفتقر إلى المعلمين، أو عن الصراع النفسي الذي يعيشه الجيل الجديد بين جذور لا يفهمها ومستقبل لا يراه.

في جلسة نقاش مع بعض طلاب الجامعة، قال أحدهم "أنا نوبي، لكني لا أعرف من أين تحديدًا، أبي لا يتكلم عن الماضي كثيرًا، وجدي توفي قبل أن أراه، أشعر أن هناك جزءًا ناقصًا مني".

قالت طالبة أخرى: "أنا لا أعرف إن كنت سأعيش في أسوان بعد التخرج، أحبها، لكن لا مكان لي فيها"

هذا النوع من العبارات يتكرر، ليس لأن الناس كفروا بهويتهم، بل لأنهم لا يجدون من يعيد تعريفها معهم، الهوية ليست فقط ما نرثه، بل ما نعيد بناءه يوميًا، وعندما يُمنع جيل من إعادة بناء نفسه، يتحول الوطن إلى عبءٍ عاطفي.

أملٌ صغير رغم كل شيء

ورغم كل ما سبق، تظل هناك نوافذ للضوء في جزيرة هيسا، التي قاومت التهجير، يحتفظ السكان بأغانيهم و لهجتهم، وببيوتٍ لا تزال تُبنى بالطين في الحرف اليدوية، تعود الزخارف النوبية القديمة لتزين المعارض، وأحيانًا حسابات تطبيق إنستغرام. بعض النوبيين في الشتات يعودون صيفًا لتعليم أولادهم اللغة، وبعض الشباب يصرون على البقاء، وعلى بدء مشاريع صغيرة تعاند السوق وتقاوم الانطفاء.

في كل بيت نوبي، صورة قديمة معلقة، وجدة تروي، وشاب يتأرجح بين الرحيل والبقاء، هناك ذاكرة تتآكل، لكنها لم تُمحَ بعد، وهناك شباب يتألم، لكنه لم يفقد صوته كليًا.

ربما لا تملك أسوان اليوم الإجابات، لكنها تملك السؤال الأكبر: كيف نبني مستقبلًا لا ينسى جذوره، ولا يضطر فيه أبناؤه إلى الهروب منه ليعيشوا؟ كيف نعيد صياغة مدينةٍ فيها متسع للغة قديمة وصوت جديد؟

وحين نجد طريقة لربط تلك الضفاف، قد لا يعود النيل فقط نهرًا يفصل بين الضفتين، بل طريقًا يربط الذاكرة بالحياة.