"صندوق أسود": مخرجة أسوانية توثق تراث قبائل العبابدة والبشارية (حوار)

تصميم| محمد صلاح

Written By فاطمة محمد
2026-10-22 13:20:07

في سنوات الدراسة بدأ شغف وحب، ألفت عيسى، المخرجة السينمائية، بالكتابة والقراءة، قبل أن تمتد تجربتها مع مرور السنوات إلى المسرح وصناعة الأفلام، وتخوض تدريبات في الكتابة وصناعة المحتوى الصوتي والإخراج.

عملت عيسى مع الأطفال في المسرح، وقدمت أعمالًا مستندة إلى تراث قبيلتها الأسوانية "العبابدة"، ثم انتقلت إلى السينما وشاركت في أفلام روائية ووثائقية، من بينها "حكايتها، العروسة، علي صوتك، الوتد"، إلى جانب فيلم عن ختان الإناث ضمن منحة "دوار الفنون".

وتعمل حاليًا على فيلمها الوثائقي "حراس الذاكرة"، الذي تسعى من خلاله إلى توثيق التراث الشفهي للعبابدة والبشارية، عبر البحث عن كبار السن وحَمَلة الحكايات والمقتنيات والمعارف المهددة بالاندثار. وتطور الفيلم حاليًا داخل حاضنة "Her Story" التي تتيح لها العمل على المشروع مع متخصصين في جوانب مختلفة من صناعة الأفلام.

وفي حوار مع "عين أسواني"، تتحدث عيسى عن رحلتها من الكتابة والمسرح إلى السينما، وتجربتها في توثيق تراث القبائل، وتحديات تحويل الذاكرة الشفوية إلى فيلم، وفيلمها "حراس الذاكرة".

  •  قلتِ إن فكرة توثيق العبابدة والبشارية بدأت قبل "حراس الذاكرة" كيف تطورت هذه التجارب وصولًا إلى فكرة الفيلم الحالي؟

بدأ اهتمامي بتوثيق التراث عام 2020، بعد حصولي على تدريب TOT مع الجيزويت، وعملت حينها مدربة مسرح في الناصرية. لاحظت أن الأطفال والنساء لديهم معرفة واسعة بما يحدث حولهم، فقررت نقل التجربة إلى مجتمعي، وبدأت العمل مع الأطفال وتقديم مسرح ثقافي يهتم بتراث القبيلة، وكنت أدمج هذا التراث في المسرحيات بتمويل شخصي.

وفي الفيلم الحالي انتقلنا من تناول التراث بشكل عام إلى البحث عن الأشخاص الذين يحملون الحكايات والمقتنيات القديمة ويحافظون عليها، ومحاولة نقل ذاكرتهم إلى الأجيال الجديدة.

  • لماذا وصفتِ الأشخاص الذين يحملون الذاكرة الشفوية بأنهم أشبه بـ"صندوق أسود" للتراث؟

هؤلاء الأشخاص يحتفظون بأشكال من التراث لا يمكن الوصول إليها إلا من خلالهم، خصوصًا التراث الشفهي الذي ينتقل من جيل إلى آخر. اللغة لدى قبائل البشارية، مثلًا، تُتوارث شفهيًا، ولها قواعد وكلمات، لكنها ليست مكتوبة بالشكل الذي يمكن الرجوع إليه كمصدر.

كما يحمل كبار السن حكايات ومعارف عاشوها أو ورثوها ممن سبقوهم، إلى جانب مقتنيات قديمة يحافظون عليها. لذلك فإن رحيلهم دون توثيق ما لديهم قد يعني فقدان تراث لا يوجد له مصدر آخر، ولهذا شبهتهم بصندوق أسود لسفينة غرقت من زمان".

  • أشرتِ إلى أن اللغة البشارية تُنقل شفهيًا ولا تزال غير مكتوبة بالشكل المتداول اليوم، كيف يؤثر ذلك في احتمالات بقائها أو اندثارها؟

اعتماد التراث على النقل الشفهي يجعله مرتبطًا بالأشخاص الذين يحملونه وينقلونه إلى الأجيال التالية. فاللغة البشارية، مثلًا، لها قواعد وكلمات، لكن بقاءها يعتمد على استمرار تداولها شفهيًا.

ومع ابتعاد الأجيال الجديدة عن كبار السن وانقطاع التواصل بينهم، يصبح هذا التراث أكثر عرضة للاندثار. وإذا رحل الأشخاص الذين يحملون هذه المعرفة دون توثيقها، يمكن أن تضيع أشياء كثيرة، وتصبح الأجيال الجديدة أقل معرفة بهويتها وتراثها.

  •  خلال بحثك عن شخصيات الفيلم واجهتِ رفضًا من بعض النساء للتصوير بسبب مخاوفهن من الكاميرا ما أثر هذه التجربة؟

جعلتني التجربة أفهم أن الوصول إلى الشخصيات يحتاج أولًا إلى بناء الثقة وفهم العادات والخصوصية، وليس مجرد الذهاب بالكاميرا وطلب التصوير. بعض النساء كنّ يخشين من نشر صورهن على وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك رفضن التصوير في البداية.

في إحدى المرات، رفضتني إحدى السيدات قبل أن تعرف من أنا، لكن سيدة كبيرة تحدثت معي وعندما عرفت أنني من القبيلة نفسها وأعرف عاداتنا، تغير موقفها ووافقت على أن آتي مع زملائي، لكنها طلبت ألا أصورها، لذلك أصبحت حريصة على التعرف إلى الشخصيات أولًا.

  •  حدثينا عن صعوبة تحويل الذاكرة الشفوية إلى صورة سينمائية؟

أحاول ألا يعتمد الفيلم طوال الوقت على حديث الشخصيات، لأن الصورة يمكن أن تنقل الكثير مما أريد إيصاله. يجب أن تكون هناك مشاهد حية تنقل الشخصيات والأشياء والتفاصيل، فالصورة أحيانًا تستطيع أن تقول أكثر من الكلام.

لذلك أعمل على تحقيق توازن بين الصوت والصورة، بحيث لا يكون الشخص هو الذي يحكي طوال الوقت، وإنما تستطيع المشاهد نفسها التعبير عن الحكاية والتراث. ولهذا أستمر في حضور ورش الإخراج والتصوير لتطوير قدرتي على توصيل الأفكار بصريًا.

  •  كيف قادك اهتمامك بالتراث إلى فكرة إنشاء مساحة لتوثيقه وتعليم الفنون؟

تجربتي مع الأطفال في المسرح جعلتني أرى أهمية أن يتعلم الجيل الجديد تراثه، وألا يظل معتمدًا فقط على ذاكرة الكبار. لذلك بدأت أفكر في إنشاء مؤسسة لتوثيق تراث القبائل في مصر، وفي الوقت نفسه تكون مساحة للأطفال يتعلمون فيها السينما والمسرح والفنون.

الفكرة ألا يقتصر المكان على التوثيق، وإنما يكون مساحة حية ينتقل فيها التراث إلى الأجيال الجديدة من خلال الفن، ويضم فرقًا تراثية للعبابدة والبشارية والجعافرة وغيرها، تقدم الفنون المرتبطة بتراث كل قبيلة.

  • ما الذي تريدين أن تقدمه هذه المؤسسة تحديدًا؟

أريد أن تكون المؤسسة مكانًا لتوثيق تراث القبائل في مصر، وفي الوقت نفسه مساحة لتعليم الأطفال السينما والمسرح والفنون، بحيث يشاركون هم أيضًا في نقل هذا التراث.

ما يزال هناك الكثير من الحكايات والعادات واللغات والمعارف الشفوية والمقتنيات القديمة التي لا توجد لها مصادر مكتوبة، ويرتبط بقاؤها بالأشخاص الذين يحملونها، وإذا رحل هؤلاء دون توثيق ما لديهم، يمكن أن تندثر أجزاء من هذا التراث ويأتي جيل جديد لا يعرف شيئًا عن هويته وتراثه السابق.