يمضي القطار في رحلته من محطة أسوان الجديدة نحو مركز أبو تشت بمحافظة قنا، بينما تجلس منى محمود، الطالبة بكلية الحقوق في جامعة أسوان، مستندة برأسها إلى نافذة العربة، تراقب الطريق في صمت. لا يشغل تفكيرها سوى سؤال واحد: هل تكون هذه الزيارة هي الأخيرة لأهلها خلال هذا العام؟ فمع الزيادة المفاجئة في أسعار تذاكر القطارات، لم يعد السفر كما كان من قبل.
منى، وهي طالبة مغتربة تقيم في سكن المدينة الجامعية، اعتادت أن تعود إلى أسرتها كل أسبوعين، لتخفف عن نفسها مشقة الغربة وضغط الدراسة. لكن ارتفاع سعر تذكرة القطار للدرجة الثانية المكيفة من 155 جنيهًا إلى 180 جنيهًا، يوم الجمعة الماضية 29 مارس الماضي، غيّر حساباتها.

تقول: "هذه الزيادة، رغم أنها 25 جنيهًا فقط، تتحول إلى 50 جنيهًا في الرحلة الواحدة، وهو مبلغ لا يمكن تجاهله في ظل ميزانية محدودة".
ميزانية الطالب تحت ضغط الغلاء
أمام هذه الأعباء، بدأت منى تعيد ترتيب أولوياتها. فبدلًا من زيارة أسرتها كل أسبوعين، تفكر في تقليص زياراتها لتصبح مرة واحدة في الشهر، وهي محاولة للتكيف مع واقع جديد فرضته زيادة تكاليف المعيشة، إذ إن ميزانيتها الشهرية، التي لا تتجاوز 2500 جنيه، لم تعد تكفي لتغطية الإيجار والطعام والمواصلات اليومية إلى الجامعة، إلى جانب مصاريف الدراسة.
وتعكس تجربة منى واقعًا أوسع يعيشه كثير من طلاب الجامعات المغتربين، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى تقليل زياراتهم لأسرهم وإعادة توزيع نفقاتهم، في محاولة لمواجهة موجة الغلاء التي طالت مختلف جوانب حياتهم اليومية. ومع كل زيادة جديدة في أسعار المواصلات، تتسع الفجوة بين الدخل المحدود ومتطلبات الحياة، لتصبح القرارات البسيطة، كزيارة الأهل، عبئًا يحتاج إلى حسابات دقيقة.
زيادة التذاكر تغيّر خطط السفر
يتكرر المشهد ذاته مع زينب كرم، الطالبة بكلية التجارة في جامعة أسوان، وتقطن في محافظة الجيزة. كانت زينب تعتمد على القطار كوسيلتها الأساسية للعودة إلى أسرتها مرتين شهريًا، قبل أن تفرض الزيادة الأخيرة في أسعار التذاكر واقعًا مختلفًا عليها.

بعد ارتفاع سعر تذكرة القطار للدرجة الثانية "VIP" من 240 جنيهًا إلى 280 جنيهًا، وجدت نفسها أمام عبء مالي إضافي لم يكن في الحسبان. تقول زينب: "يمكن الزيادة تبان بسيطة للبعض، لكنها بالنسبة لي كطالبة معتمدة على مصروف شهري ثابت بتعمل ضغط كبير على ميزانيتي، خصوصًا مع زيادة باقي المصاريف".
وتضيف: "الموضوع مش بس في قيمة الزيادة نفسها، لكن في تأثيرها مع مصاريفي اليومية من أكل ومواصلات ودراسة. المبلغ شكله صغير، لكن لما بيتجمع مع باقي الزيادات بيبقى مؤثر جدًا على مصروفي".
تواجه مروة محمد، طالبة بالفرقة الأولى في كلية ريادة الأعمال، نفس التأثير على ميزانيتها، إذ إنه في ظل زيادة أسعار تذاكر القطارات بنسبة تتراوح بين 12% و25%، لم تعد الرحلة بين مدينة أسوان ومركز إدفو مجرد وسيلة انتقال سهلة تتيح لمروة العودة إلى منزلها في الأيام التي تخلو من المحاضرات، بدلًا من البقاء داخل السكن الجامعي.
بالنسبة لمروة، يمثل القطار وسيلة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، رغم الضغوط التي فرضتها الزيادة الأخيرة. تقول: "بعد رفع الأسعار، بقيت مضطرة أختار القطارات الأرخص، لأنني بسافر حوالي 5 مرات في الشهر، وأي زيادة بتحط ميزانيتي تحت ضغط كبير". وتتنوع خياراتها بين القطار الروسي العادي والمكيف، حيث تتراوح أسعار التذاكر ما بين 30 و75 جنيهًا، بحسب المتاح في وقت الرحلة.
وترى مروة أن القطار يظل الخيار الأفضل مقارنة بوسائل النقل الأخرى، ليس فقط لسرعته، ولكن لأنه يوفر قدرًا من الأمان ويجنبها مشقة التنقل بين أكثر من وسيلة. ورغم اضطرارها لاختيار الفئة الأقل تكلفة، فإن فكرة الاستغناء عن القطار تبدو غير واردة بالنسبة لها.
أسعار تلقي بظلالها على النقل الداخلي
وتتفق معها بسمة أحمد، 18 عامًا، وهي أيضًا طالبة بكلية ريادة الأعمال جامعة أسوان، وتستخدم القطار مرتين شهريًا للعودة إلى مركز إدفو. وترى بسمة أن القطار، رغم ملاحظاتها على مستوى النظافة في بعض الأحيان، يظل أفضل من الميكروباص من حيث الراحة وسهولة الرحلة: "بركب القطار الروسي لأنه أوفر، حتى لو مش دايمًا أنضف حاجة، لكنه أحسن من العربيات الداخلية اللي بتبقى أغلى ومتعبة بسبب الطريق".

وتوضح بسمة أن تكلفة الرحلة بين أسوان وإدفو بالقطار وصلت حاليًا إلى نحو 80 جنيهًا بعد الزيادة الأخيرة، وهو سعر قد يكون أعلى قليلًا من الميكروباص على الطريق الزراعي، لكنه يظل الخيار الأكثر راحة بالنسبة لها لكن الحل أمامها هو تقليص عدد مرات الزيارة.
أما زينب مع ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، إلى جانب إخطارها بزيادة مرتقبة في قيمة الإيجار، لم تجد خيارًا سوى إعادة ترتيب أولوياتها. فاضطرت إلى تقليص زياراتها لأسرتها بشكل كبير، لتصبح مرة واحدة فقط خلال الفصل الدراسي، محاولة بذلك الحفاظ على توازن ميزانيتها دون اللجوء لطلب دعم إضافي من أسرتها.
ورغم اختلاف ظروف الطالبات بين سكن ودراسة، فإنهن يتشاركن التأثير نفسه الناتج عن ارتفاع أسعار تذاكر القطارات، التي يعتمد عليها قطاع واسع من الطلاب المغتربين.