"الأزولا وملوحة الأرض".. أفكار شبابية تحوّل الزراعة إلى مستقبل مستدام

Photographer: فاطمة محمد - أمينة مصلح، قدمت فكرة عن نبات الأزولا بمعرض توشكى أسوان

Written By فاطمة محمد
2025-12-31 14:08:53

لم تكن الأرض بالنسبة لـ"إيمان حمدي" 23 عامًا، مجرد مساحة تُزرع، بل كانت كائنًا حيًا يمرض ويتعافى: "بشوف التربة كأنها بتحكي كل مرة ألمسها كنت أحس إنها محتاجة حد يسمعها"؛ ربما لهذا السبب لم يمر مشروع تخرجها مرورًا عابرًا كما يحدث مع كثيرين، بل تحوّل إلى رحلة طويلة بدأت من معمل جامعتها ووصل إلى حقول مدينة إدفو بأسوان.

إيمان، التي تخرجت في كلية الزراعة جامعة أسوان العام 2024، لم تكن تبحث عن فكرة مبتكرة بقدر ما كانت تبحث عن حلّ، لذا في غرفة صغيرة داخل الكلية، وقفت أمام أطباق زجاجية تحاول عزل بكتيريا مستخلصة من طحالب تنمو في قلب البحر، تطمح أن تمنح هذه الكائنات الدقيقة فرصة لإنقاذ أراضٍ أنهكتها الملوحة.

من معمل الجامعة إلى حقول إدفو

وبعد شهور من التجارب نجحت في تحقيق ذلك: "مكنتش متخيلة إن المحلول هيشتغل بالطريقة دي أول مرة جربته في وادي الصعايدة، الأرض كانت شبه ميتة، اختبرته على محاصيل متنوعة زي الذرة والمانجو، من خلال نقع البذور في المحلول قبل الزراعة والأراضي المزروعة بالفعل بيُضاف إليها عبر مياه الري بنسب محددة".

الأزولا وملوحة الأرض، إيمان حمدي

لم تكن النتائج سريعة، لكنها جاءت مطمئنة؛ فقد انخفضت نسبة الملوحة بنحو 60%، وكأن الأرض بدأت تستعيد أنفاسها، وعلى الرغم من أن التجربة كانت مرهقة، تؤكد إيمان أنها لم تتراجع لحظة: "كنت بروح كل أسبوع أتابع.. حسيت إن فيه حياة بترجع قدامي".

شيئًا فشيئًا، خرجت فكرة إيمان من الورق إلى الحقول؛ جهّزت معملها الصغير، وصارت تقيس الملوحة بنفسها، وترافق المزارعين خطوة بخطوة حتى اكتمال العلاج، إذ تكفي خمسة لترات فقط لمعالجة فدان كامل، بينما تختلف مدة العلاج من أرضٍ إلى أخرى حسب درجة الإجهاد أو التلف.

في معرض توشكى الزراعي الذي عقد في الفترة من 25 إلى 27 نوفمبر الماضي، مثلّت إيمان وغيرها نقابة المخترعين المصريين فرع أسوان، إذ قدموا مشاريع وأفكار جديدة ومختلفة في محاولة لإنقاذ التربة والزراعة من مشكلات عدة.

الأزولا وملوحة الأرض

النقابة منصة لدعم المبتكرين

يشرح سامح عبده مهدي، أمين لجان النقابة في أسوان، أن النقابة رغم تأسيسها حديثًا قبل عامين فقط، نجحت في أن تصبح مساحة مفتوحة أمام أصحاب الأفكار الجديدة، وتحمّلت مسؤولية دعم كل مبتكر يمتلك حلًّا يمكن أن يغيّر واقع القطاع الزراعي أو يطوّر جزءًا منه.

ويوضح سامح لـ"عين الأسواني" أن مشاركته في معرض العام الماضي بصفة زائر كانت نقطة تحوّل؛ فمنذ ذلك الوقت بدأ يبحث بجدية عن مبتكرين لديهم أفكار قابلة للتطبيق، ليمنحهم الفرصة للمشاركة في دورة هذا العام. 

يرى أن ما يُعرض داخل الجناح من مشروعات يعكس رغبة واضحة في تنشيط الاقتصاد المحلي في أسوان، مؤكدًا أمله في أن تخرج هذه الابتكارات قريبًا إلى الضوء، لتتحول إلى مشروعات حقيقية تُثمّن جهود الشباب وتدعم ثقافة الابتكار التي تسعى النقابة لترسيخها في المحافظة.

ذلك ما تأمله إيمان، إذ تحلم بأن يصل مشروعها إلى محافظات الصعيد كلها ثم الدلتا: "إنقاذ الأرض مش بس إنقاذ محصول، ده منع بوار، ومنع ناس تضطر تبني لما الأرض تبطل تدي". 

حلم الأرض المستدامة

نفس الحلم تسعى إليه أمينة مصلح، 19 عامًا، طالبة بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر بأسوان، إحدى المشاركات في معرض توشكى الزراعي لهذا العام. بدأت فكرتها خلال الإجازة الصيفية قبل دخول الجامعة، حين حضرت تدريبًا في ريادة الأعمال تعرّفت خلاله على نبات "الأزولا"، فقررت أن تخوض تجربتها الأولى في زراعته داخل منزلها.

الأزولا وملوحة الأرض، أمينة مصلح 

ذهبت إلى مديرية الزراعة بأسوان، وحصلت على شتلة مجانية مع بعض الطمي، ثم بدأت رحلة التعلم الذاتي، تبحث وتجرب حتى نجحت في إقامة حوض زراعة على سطح منزلها.

تشرح أمينة أن "الأزولا" نبات سرخسي مائي غني بالبروتين بنسبة تصل إلى 35%، ما يجعله علفًا ممتازًا للدواجن والمواشي، يزيد من إنتاج البيض والحليب، ويحسّن جودة اللحوم. 

تقول: "زراعته بسيطة ولا تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، يكفي حوض يحتوي على طبقة طمي 2 سنتيمتر وفوقها ماء بعمق 15 سنتيمتراً، على أن تُستخدم مياه ساكنة تُترك قليلًا قبل الزراعة للتخلص من القلوية، ويجري حصاد النبات بعد 15 يومًا لتتضاعف الكمية مرة بعد أخرى".

عندما رأت إعلان نقابة المخترعين عن معرض توشكى، تواصلت أمينة مع سامح عبده الذي سجل مشروعها، لتبدأ مرحلة جديدة في تطوير إنتاج الأزولا: "أحلم اليوم بتوسيع زراعته وتدريب المربين على توفير بروتين طبيعي بتكلفة منخفضة لمواشيهم ودواجنهم".

ما تزال إيمان تتابع مشروعها في معالجة التربة خطوة بخطوة، بينما أمينة تغرس الأزولا على أسطح المنازل لتوفير بروتين طبيعي للمواشي والدواجن، إذ تمنح التجربتين الأرض الزراعية أمل أكثر في الاستدامة.