عندما وطأت رهف الأمين، الطالبة السودانية، أرض أسوان في سبتمبر 2024، لم تكن تعرف أن المدينة النيلية ستتحوّل إلى ملجأ آمن لها، يحميها من رياح الحرب العاتية التي اجتاحت الخرطوم في أبريل العام 2023، رحبت بها العائلات الأسوانية بقلوب وبيوت مفتوحة، وخفّف ذلك من وطأة الصدمة الأولى وجعل تجربة النزوح أقل قسوة، رغم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة المحيطة بها.
ما بدأ برحلة بسيطة بحثًا عن الأمان بعد النزوح، تحول مع الوقت إلى قصة استثنائية من الإرادة والتحدي، حيث تمكنت رهف، 18 عامًا، من تحقيق إنجازها الكبير في أسوان، بعيدًا عن المدارس التقليدية وبالاعتماد على الدراسة المنزلية فقط، حيث تمكنت من إحراز المركز الأول في امتحانات الشهادة السودانية للثانوية العامة لعام 2024 بنسبة 97% خلال أكتوبر الماضي، لتثبت أن الإرادة تستطيع أن تصنع الإنجاز حتى في أصعب الظروف.
دراسة منفردة.. وامتحان نهائي بلا تجريب
واجهت رهف هذا العام تحديات مضاعفة؛ لم يكن هناك معلمون لتوجيهها، وكانت مادة التاريخ الأصعب عليها، تقول: "كنت أسجل لنفسي شرح الدروس بصوتي، وكأنني المعلمة الخاصة بي، ثم أستمع للتسجيل مرة بعد مرة للحفظ والفهم".

وتضيف: "غياب المدرسة كان أصعب ما واجهته، لكن الإصرار والدعم المجتمعي قادران على تحويل ظروف النزوح إلى فرصة للنجاح".
امتدّ جدولها الدراسي من المغرب حتى الصباح، في جلسات مركّزة تعتمد على الفهم بدل الكم، مستعينة بالكتب والمذكرات ومحتوى تعليمي على "يوتيوب": "أصعب شيء بالنسبة لي كان غياب الامتحانات التجريبية التي اعتدنا عليها في السودان؛ هناك كان لدينا ستة امتحانات قبل النهائي، أما هنا في أسوان، فكان أول امتحان أخوضه هو امتحان الشهادة نفسه في يونيو 2025، بعد أن بدأ عامي الدراسي فعليًا في نوفمبر 2024".
وتشير رهف أيضًا إلى الدور الحيوي الذي لعبته القنصلية السودانية في أسوان: "ساعدونا في إعادة إصدار شهاداتنا المفقودة بسبب الحرب، وسجلوا الطلاب حتى ليلة الامتحان، لتعويض غياب المؤسسات التعليمية الرسمية".
سجلت رهف في إحدى المدارس السودانية، ولكنها خاضت امتحاناتها النهائية في أسوان، حيث تولّت القنصلية السودانية تنظيم الامتحان لها في مركز تابع لجمعية "نساء الجنوب"، لضمان إتمام الإجراءات التعليمية رغم ظروف النزوح وغياب المؤسسات الرسمية.
وتضيف: "غياب المدرسة كان أصعب ما واجهته، لكن الإصرار والدعم المجتمعي قادران على تحويل ظروف النزوح إلى فرصة للنجاح. من الضروري تعزيز برامج دعم الطلاب النازحين ليتمكنوا من مواصلة تعليمهم، فهذا أحد أهم سبل الصمود في وجه الحرب."
دعم أسري ومجتمعي في رحلة التفوق
تعزو رهف جزءًا كبيرًا من نجاحها إلى دعم أسرتها: "والدتي، المعلّمة، كانت دائمًا بجانبي هنا في أسوان، بينما ظل والدي الذي يعمل في القضاء يتابعني من الخرطوم عبر الهاتف، وقفوا بجانبي طوال الطريق، ومعهم جمعية نساء الجنوب التي تكفّلت برسوم امتحانات الطلاب السودانيين النازحين ممن يواجهون ظروفًا معيشية صعبة".
وتتذكر رهف لحظة إعلان النتيجة في 20 أكتوبر 2025: "صدمني موعد الإعلان أكثر من الدرجة نفسها، لأن النتيجة كان من المفترض أن تُعلن في نوفمبر، وأول من هاتفني للتهنئة كانت صديقتي اليمنية".
تطمح رهف إلى دراسة الاقتصاد في جامعة بريطانية أو قطرية أو تركية عبر منحة دراسية: "السودان يحتاج إلى المتفوقين في الاقتصاد بقدر حاجته إلى الأطباء والمهندسين، وإعادة بناء الوطن تبدأ من بناء قطاع اقتصادي متماسك".
رؤية متفائلة للتعليم.. ورسائل للطلاب
ورغم ما شهدته السودان من صعوبات وظلام، تبدي رهف تفاؤلها بمستقبل التعليم: "المجتمع السوداني أصبح يشجع تعليم البنات بشكل ملحوظ، والعقود الأخيرة شهدت صعود نساء إلى مراكز قيادية، مثل مديرة البنك المركزي، لكن الحرب تعوق أي خطوة للتقدم".
وتوجّه رهف نصيحة لطلاب الشهادة: "لا تخافوا، ركّزوا على الفهم، ضعوا خطة يومية وسيروا عليها حتى تصلوا إلى أهدافكم، ومن خلال تجربتي هناك ضرورة لتعزيز برامج دعم الطلاب النازحين ليتمكنوا من مواصلة تعليمهم، فهذا أحد أهم سبل الصمود في وجه الحرب".
لا تزال رهف تعيش في أسوان، وقلبها متعلق بموطنها الأصلي السودان، إذ تحلم باليوم الذي تعود فيه وهي تحمل الدكتوراه، لتساهم في إعادة بناء وطنها من خلال المعرفة والخبرة التي اكتسبتها.