في شوارع أسوان المزدحمة، وبين صخب السيارات ولهيب الشمس الحارقة، تقود رحمة مصطفى، 29 عامًا، دراجتها بثبات، تتدلى من كتفها حقيبة مملوءة بطلبات الزبائن، وعلى صدرها طفل صغير يغُطّ في نوم عميق داخل حاملة أطفال.
تمر أكثر من ثلاث ساعات من يومها وهي على دراجتها، تتنقل بين الشوارع لتوصيل الطلبات في موعدها دون تأخير، بعدما قررت العمل في خدمة التوصيل حتى عُرفت بين الناس بـ"فتاة الديلفري" كي تنفق على ابنها.

لم تعرف المدرسة يومًا، ولم تتح لها فرصة في التعليم، لكنها عرفت العمل مبكرًا، حين بدأت مساعدة طباخ في مطعم صغير، كي تساند أسرتها في مواجهة ضيق الحال بعد وفاة والدها، ومنذ ذلك الحين، لم تخرج من دائرة الكدّ والتعب.
تقول: "دخلت سوق العمل وأنا عندي 13 سنة واشتغلت في محلات الملابس وأعمال النظافة والتمريض المنزلي، والعمل في الفنادق والكوافيرات لحد ما قررت اشتغل ديلفري".
طريق رحمة بدأ بالحُفر
رغم تنقلها بين مهن كثيرة ومتنوعة، لم تشعر رحمة يومًا بالحرية الحقيقية، بل كانت تلك الأعمال مصدرًا دائمًا للإرهاق دون جدوى، تروي بحزن: "كنت بشتغل في بيوت ناس، وكوافيرة أو في النظافة، وطلعوا عليّا كلام إني مش كويسة وبسرق، الكلام وجّعني، وخلاني أدور على شغل أكون فيه حرة نفسي، مش تابعة لحد، ومفيش حد يقدر يتهمني في سمعتي".
ومن هنا، اتخذت قرارها بأن تعمل في توصيل الطلبات باستخدام دراجتها النارية، أعطت رقم هاتفها للمحلات والمطاعم وبعض فتيات منطقتها، ولديها مجموعات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي لتنفيذ الطلبات.
لم يكن الطريق نحو عمليات التوصيل اليومية سهلًا، إذ تنطلق من الفجر حتى الليل، فضلًا عن أن شوارع مدينة أسوان المليئة بالحفر والمطبات تعتبر تحديًا يوميًا، تضطرها إلى تغيير مسارها أكثر من مرة، مما يطيل وقت التوصيل ويزيد من تعبها.
ومع ذلك، لم تكن مشكلات الطريق هي الأصعب، بل كانت نظرات الناس وسلوكيات بعضهم هي العقبة الأكبر.
تقول رحمة: "نظرة الناس ليا باستغراب لأن مش شائع في أسوان أن البنات تشتغل ديلفري، كمان سواقين التكاتك الميكروباصات بيكسروا عليّا، ويضربوا كلاكسات، ويضايقوني بالكلام علشان بنت سايقة سكوتر"، ورغم كل ذلك، لا تفقد إصرارها ولا تتراجع عن طريق اختارته بكامل إرادتها.
بعض الأحياء في أسوان لا تجرؤ رحمة على دخولها، خاصة تلك البعيدة عن وسط المدينة أو التي مرّت فيها بتجارب مزعجة من السكان.
دوامة قوت اليوم
تحكي رحمة عن أحد المواقف التي لا تنساه، حين تعمّد سائق ميكروباص إسقاطها أرضًا: "تظاهر إنه بيركن، وكسر عليّا فجأة.. وقعت أنا وابني، وتجمع الناس حواليا، وكلهم قالوا إنه كان متعمد، عشان أنا بنت وكنت متوترة جدًا، ومن ساعتها ندمت إني مخدتش رقم العربية علشان أشتكي".
لكن أكثر ما كان يؤلمها في تلك اللحظة لم يكن السقوط، بل الخوف على صغيرها الذي لا يفارقها، طفلها، البالغ من العمر عامًا ونصف، يرافقها في معظم مشاويرها وتنفق عليه بعدما انفصلت عن زوجها.

ورغم المضايقات المتكررة التي تواجهها، لم تتراجع رحمة عن طريقها، بل قررت أن تطوره، وسّعت نشاطها وبدأت تكوّن فريقًا من الشباب لمساعدتها في التوصيل، وتخطط لضم فتيات أيضًا ليكنّ جزءًا من التغيير: "بحلم إن يبقى عندي فريق دليفري كله بنات".
تضيف: "أصبحت مصدر راحة لبعض السيدات، لما يعرفوا إن اللي هيوصل الطلب بنت زيهم، بيطمنوا عشان كدة نفسي أعمل مشروعات كتير مخصصة للنساء في أسوان زي جمعيات خيرية تخدمهم".
تؤمن رحمة أن تجربة العمل في التوصيل صنعت منها امرأة أقوى، تقول: "اتعلمت مخافش بقيت أقدر أواجه، واتعلمت أثق في نفسي، مفيش حاجة سهلة، وكل حاجة عايزة تعب".
تتسع أحلام رحمة يومًا بعد يوم، ورغم المشاق اليومية، ترى في مشاويرها الصغيرة بداية لمشوار أطول تبحث فيه عن فرصة عادلة لحياة أفضل.