"عروسة الرمل".. حين تصبح الصحراء مرآة لانكسارات النساء

Photographer: أمنية حسن - جزء من العرض المسرح "عروسة الرمل"

Written By أمنية حسن
2025-07-29 10:00:06

لم يولد عرض "عروسة الرمل" بمحافظة أسوان من فكرة عابرة، بل جاءت ثمرة سنوات من العمل والتفكير بين المخرج خالد عطالله وصديقه الكاتب طه الأسواني، حيث بدأ النص في صورته الأولى "مونودراما"_عرض يعتمد على شخصية واحدة فقط_ لكن مع تطور الرؤية الإخراجية، أعاد عطالله تشكيله ليضم ثلاث شخصيات تمثل ثلاث مراحل عمرية مختلفة للبطلة نفسها.

كل مرحلة تجسّد بعدًا من أبعاد العزلة والانكسار التي تعانيها البطلة، في عمل مسرحي احتضنه مسرح فوزي فوزي ضمن فعاليات الموسم المسرحي لقصور الثقافة، مطلع يونيو الحالي، حيث شارك في العرض ثلاث ممثلات جسّدن شخصية واحدة لامرأة تمر بثلاث مراحل عمرية مختلفة وتعيش أجواء من العزلة والانكسار.

يمتد مشوار عطالله في المسرح لأكثر من عقدين، بدأها ممثلًا ومصمم ديكور في قريته كوم أمبو، قبل أن ينتقل إلى مدينة أسوان ويصبح فنانًا معتمدًا في الهيئة العامة لقصور الثقافة، رغم انشغاله بالمسرح، لم يغفل طموحه السينمائي، حيث خاض مؤخرًا تجارب في الإخراج والتمثيل السينمائي، لا سيما في أعمال عرضت ضمن فعاليات مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة.

عرض عروسة الرمل

ينطلق العرض من قلب الصحراء، حيث نشأت بطلة المسرحية في عزلة قاسية، جسدية ونفسية، وسط جفاف رمزي يحيط بها من كل اتجاه، هذه الصحراء ليست مجرد خلفية مكانية، بل حالة وجودية تختصر كل أشكال الحرمان التي مرت بها الفتاة. 

مع المخرج عطالله وبطلات العمل، نغوص في ثنايا العرض المسرحي عروسة الرمل، الذي لا يكتفِ بسرد قصة فتاة نشأت في بيئة قاحلة، بل يستخدم المسرح وسيلة لطرح تساؤلات وجودية حول العطش الإنساني للفرح والحب والانتماء، صراع البطلة مع نفسها وماضيها والبيئة التي سلبتها أبسط حقوقها الإنسانية.

عطالله: "العرض يغوص في أثر العزلة"

"العطش هنا ليس عطش ماء فقط، هو عطش لكل الأشياء الجميلة في الحياة، هي حرمت من الألوان من الفرح من كل ما هو جميل"، يبدأ مخرج العمل المسرحي عطالله حديثه بتقريب الصورة، موضحًا أنه تعمد تجسيد هذه الحالة البصرية والرمزية باستخدام ديكور بسيط وعميق في دلالاته، عبر خيمة وأكياس من الرمل والماء.

عرض عروسة الرمل بمحافظة أسوان

في مفارقة مؤلمة، تحاول الفتاة أن تشرب الماء، لكن الماء -رمز الحياة- يتحول إلى خطر يُمرضها، يقول المخرج لـ"عين الأسواني": "تصبح هذه اللحظة المحورية تمهيدًا لتحول درامي، يقودها إلى زيارة الطبيب، لكنها في حقيقتها تمثّل رحلة غوص داخلي إلى أعماق الذات، هناك؛ تتفتّت شخصيتها إلى ثلاثة تجسيدات: الطفلة البريئة وفتاة المراهقة والمرأة الأربعينية".

كل واحدة منهن تحمل جانبًا من وجعها، تواجه نسخة من الصحراء التي سكنتها في مراحل مختلفة، في معالجة درامية تعتمد على الرمزية وكشف التكوين النفسي عبر تعدد الأصوات والمراحل العمرية، حتى تحول العرض إلى تأمل عميق في أثر العزلة والخذلان للمرأة الأربعينية، وفقًا لعطا الله.

سيدة الصحراء

تُجسّد هذا الدور ماري جرجس، بطلة عرض "عروسة الرمل" التي تصف الشخصية بأنها مركبة مثقلة بالانكسارات، حيث تعود من خلالها إلى خشبة المسرح بعد سنوات من الانقطاع، عقب دراستها للطب خارج أسوان. 

عرض عروسة الرمل بمحافظة أسوان

لكن هذه العودة لم تكن مجرد مشاركة عابرة، بل خوض لتجربة تمثيلية احترافية هي الأولى من نوعها بالنسبة لها، تحملت فيها مسؤولية تجسيد الدور الأكثر نضجًا وتعقيدًا ضمن العمل، وفق حديثها لـ"عين الأسواني".

تقول ماري إن رهبتها من المسرح كانت مضاعفة هذه المرة، لا بسبب طول الغياب فحسب، بل لأن العرض يعتمد على الاقتراب الحميمي من الجمهور، إذ كُسرت فيه الجدران التقليدية بين الخشبة والمتفرجين: "في البداية كنت مرعوبة، لكن بعد أول يومين من العرض، حسّيت إن الجمهور كان بيحضني وده طمني شوية".

الشخصية التي قدمتها ماري كانت مليئة بالتعقيدات النفسية، فهي تمثل امرأة أربعينية جرّبت فقدان الأب في سن مبكرة، ثم اقتلعت من الصحراء، المكان الذي كوّن جزءًا كبيرًا من وجدانها، لتُلقى في مسارات حياتية قاسية.

لم تقتصر محطات الألم على الحياة الأسرية فقط، بل امتدت إلى علاقتها بالطبيب الذي لجأت إليه بحثًا عن شفاء روحي، ليُمارس عليها هو الآخر نوعًا من الابتزاز العاطفي، تقول ماري: "الدور مش سهل، فيه تفاصيل موجعة، وحسّيت إن الشخصية دي شبهنا.. شبه بنات كتير".

وتشير إلى أن أصعب لحظة مرت بها في العرض، كانت في أثناء حوار داخلي طويل تُفكك فيه البطلة مشاعرها المتراكمة: "ده جزء استحضرته من نفسي، لأننا كلنا_في وقت ما_بنحس إننا تايهين، إن الحياة خدتنا بعيد عن نفسنا".

بهذا الأداء الصادق، استطاعت ماري أن تُحمل الشخصية ما يكفي من العمق والضعف الإنساني، لتصبح المرأة الأربعينية في عروسة الرمل مرآة لنساء كثيرات يحملن صمتًا طويلًا، يبحثن عن نقطة نور وسط الصحراء النفسية الممتدة.

 طفولة عالقة 

قبل ذلك جسدت الممثلة ميادة مجدي، المرحلة الثانية من حياة البطلة، هي فتاة في منتصف العشرينات، تعيش في منطقة رمادية بين النضوج والانفصال العاطفي.

تقول ميادة لـ"عين الأسواني": "درست الإرشاد النفسي، لذا الخلفية الأكاديمية ساعدتني على فهم الجوانب النفسية لشخصية تحيا في عزلة، تميل إلى الطفولة أكثر من العالم الواقعي، حتى زيُّها يعكس هذا التردد، حيث يسيطر عليه اللون الأصفر حتى منتصفه فقط، ما يشير إلى تخلٍّ جزئي عن البراءة، بقاء جزء منها في منطقة الأمان القديمة".

عرض عروسة الرمل بمحافظة أسوان

وتُعد لحظة الحديث عن غياب الأب من أكثر اللحظات المؤثرة في أدائها: "باباها كان دايمًا مشغول، مسافر، مش موجود ولما رجع، شافته كأنه شخص غريب مش جزء من حياتها"، في إشارة إلى عمق الشرخ العاطفي الذي لم يلتئم.

أما سلسبيل، أصغر الممثلات، قدمت دور البطلة وهي في عمر الثانية عشرة، لكنها تختلف عن الأخريات بأن دورها يتجلى من خلال الحركة وليس الحوار، ظهرت وهي ترتدي الأبيض، رمز النقاء، تتحرك بين أكياس الرمل والماء بخفة، تلعب وتخبط وتلمس، في تجسيد بصري لمرحلة الطفولة البريئة التي تسبق أي صدمة.

تقول سلسبيل: "كان العرض صعب عليا إن الناس قدامي وأنا بتفاعل معاهم، بس بعد أول مرة بدأت أحس بثقة"، مشيرًة إلى لحظات فوجئ فيها الجمهور بتصرفاتها، خاصًة عندما كانت تضع الرمل أو الماء في أيديهم، أو تطرق في الأركان كأنها تعبّر بجسدها عن صرخة مكتومة، لم تكن التجربة المسرحية الأولى لها حيث سبق وشاركت في عروض: "بيتنا مسرح ومركب الشمس وارضى بحالك".

عرض عروسة الرمل بمحافظة أسوان

في عرضه "عروسة الرمل"، لا يكتفِ عطالله بسرد قصة، بل يوجه من خلال الصورة البصرية والموسيقى والرموز نداءً ضد التصحر الروحي والتربية القاسية، يوضح أن الرسالة التي يريد إيصالها للجمهور تتلخص في الحرية، أن نعيش حياة أقل قسوة، نربي أطفالنا على الألوان والحنان، لا على الجفاف والانغلاق.