في العاشر من يوليو 1929، على ضفاف بحيرة صغيرة قرب قرية توشكى، وُلد حمزة علاء الدين ليكون ابنًا للنوبة وحارسًا لصوتها الخافت، كان المولود الأسمر يرى النيل من نافذة الطفولة كأنه وتر أزلي يمتد بين السماء والرمل، يردد في الليل أهازيج الجدات ويخبئ في النهار أسرار المقامات القديمة، لم يعلم أحد يومها أن هذا الطفل سيُعيد كتابة خارطة الموسيقى العربية، وأن عوده سيتجول من أكواخ القش في أسوان، إلى مسارح نيويورك، وطوكيو، حاملاً معه سحر الجنوب وعطر الأراك.
نشأ حمزة في بيت يُقدس العمل أكثر من الطرب، فأهلهُ لم ينظروا إلى الموسيقى إلا باعتبارها ترفًا، ومع ذلك، ظل الفتى يُصغي إلى أغاني الأعراس التي تتسلل ليلًا عبر نوافذ الطين، ويُقلد على أوتار قلبه خرير السواقي، حين ارتفع جدار السد العالي، غُمرت قرى النوبة، وتشرد أهلها، وتوارى تراث عمره آلاف السنين تحت مياه بحيرة ناصر، هذه الفاجعة زرعت في روحه رسالة: أن ينقذ الذاكرة الغارقة قبل أن يخفت نبضها في الأعماق.
درس الهندسة الكهربائية في جامعة فؤاد الأول، لكن المعادلات لم تُطفئ عطشه الروحي، وفي إحدى الليالي، استعار عودًا من زميل دراسة، وترك لوحاته الهندسية لتلامس أصابعه الأوتار، قرأ نظريات الصوت، واكتشف أن القيثارة القديمة التي استُبدلت بالطبل يمكن أن تصبح سفينةً للعودة، حصل على منحة، وجال على ظهر حمار في القرى التي ستُغرقها البحيرة، يُسجل أنين النساء وأغاني الحصاد، ويكتبها على دفاتر ممهورة بدمع الوداع.
في مطلع الستينيات، حمل حزمته وسافر إلى روما يدرس العزف الكلاسيكي في أكاديمية سانتا تشيتشيليا، كان يقضي نهاره في تحليل موسيقى الغرب، ويقضي ليله يُدون إيقاعات النوبة على هوامش دفاتره، منتظرًا اللحظة التي يمزج فيها عطرين متباعدين.
وفي عام 1964، صعد على خشبة مهرجان الفنون الشعبية في نيوپورت، هناك صمت جمهور الجيتارات الصاخبة أمام صوتٍ بدا كأنه قادم من باطن الأرض، سجل ألبومه الأول "موسيقى النوبة"، فامتد اسمه إلى إذاعات أمريكا، وتلقّفته آذان المغنين الشعبيين مثل جوان بايز، وبوب ديلان.

استقر في منطقة خليج سان فرانسيسكو، في زمن كانت المقاهي تعج بـالحالمين بالسلام، ورواد الثقافة البديلة، تقاسم سكنًا بسيطًا مع العازف ساندي بول، وتعرّف إلى ميكي هارت، ضابط الإيقاع في فرقة "الجميلة الميتة"، وهناك في ورش الخشب والإيقاع، امتزج العود النوبي بآلات الروك، واكتشف الأمريكيون للمرة الأولى أن الصمت بين النغمات يمكن أن يكون أكثر إثارة من الصخب.
ثم جاء عام 1971 بألبوم "الساقية" من إنتاج هارت، ألبوم وصفته مجلة "رولينغ ستون" بأنه «فجر ما يُسمى الآن موسيقى العالم» واعتبره ملحنون مثل ستيف رايش وتيري رايلي مفتاحًا إلى فكرة التكرار الدائري في أعمالهم.
لم يكن نجاح "الساقية" تجاريًا فقط، بل كان إيذانًا لفلسفة حمزة الجمالية «على اللحن أن يدور كالساقية، يعود إلى النقطة نفسها أعلى قليلًا، ويذكرنا بأن الزمن نهر لا يتوقف».
تلك الحلقة الصوتية امتداد لبنية الحياة في قرى النوبة، النهار يبدأ بالدُّف، يعلو بالأغنية، ثمّ يعود إلى الصمت حاملاً بذور الغد.
وفي سبتمبر 1978، عاد إلى مصر كأنه يرد الجميل للنيل، عزف مع فرقة "الجميلة الميتة" عند سفح الهرم الأكبر خلال خسوف كلي للقمر، بدا المشهد طقسًا كونيًا، عود حمزة يرسم دائرة من الضوء تُحاصر ظل الفراعنة، فيما كان المئات يرقصون على إيقاع الطار النوبي بعد الحفل.
قالت صحف كاليفورنيا إن «الصحراء نفسها دقّت الطبل»؛ أما هو فقال «أنا لم أفعل شيئًا، الهرم هو من رتب اللقاء».
إلى جانب العزف، درس حمزة الموسيقى في جامعات أوهايو، وواشنطن، وتكساس، ثم انتقل إلى اليابان في الثمانينيات بمنحة لدراسة العلاقة بين العود والآلة اليابانية "البيوا"، هناك كتب سيرته باللغة اليابانية، وتزوج من "نبرة"، الصحافية التي أحبت صوته فأحبّت النوبة معه كان يدخل القاعة مرتديًا جلبابًا أبيض، يضع العود على الطاولة ككتاب سماوي، ويبدأ الحصة بحكاية عن قصب السكر أو سمكة في بحيرة ناصر قبل أن ينتقل إلى الصوتيات.
في التسعينيات، أعاد رباعي "كرونوس" توزيع مقطوعة "الساقية" ضمن ألبوم "قطع من إفريقيا"، لتُصبح الجمل النوبية أوتارًا كمانِيّة، وشارك حمزة في موسيقى أفلام مثل "الحصان الأسود" و"شغف في الصحراء"، وأصدر ألبوماتٍ متأخرة مثل "رحلة" و"أمنية" تلمع فيها الحكمة أكثر من البراعة، وكان يحرص في حفلاته الأخيرة على إطفاء الإضاءة تمامًا، قائلاً: «حين تُغلق العين، تُفتح الأذن».
خلف هذا المجد الفني تقف قائمة متينة من الألبومات "العود" (1965)، "خسوف" (1978)، "أغنية النيل" (1982)، "سويت نوبية" (1990)، "زنبقة النيل" (1995)، و"موشّح" (1996) وغيرها، كلها تجارب تُزاوج بين العربية والنوبية، وبين ميزان السماع المصري والإيقاع الإفريقي، يقول أحد منتجيه إن «كل ألبوم كان يبدو كخريطة جيولوجية لصوت واحد تُعاد قراءتها تحت ضوء جديد».
امتلك حمزة عودًا نادرًا صنعه الأسطى الحلبي عبده نحات عام 1917؛ كان يفتحه كل صباح ليشم رائحة الصندل، ثم يحكم أوتاره الستة بنبرةٍ أقرب للدعاء، يقول تلميذه ميكي هارت: «كان يستدرجك إلى دوامة من الهدوء حتى يبدو الهمس صاخبًا»؛ ويقول آخرون إنّه علمهم الإصغاء قبل العزف، وإن دقّة إغلاق الجفنين جزءٌ من الإيقاع.
في 22 مايو 2006، أسلم الروح في بيركلي بكاليفورنيا بعد مضاعفات جراحة بسيطة، ودعه نحو ألف وخمسمائة صديق وتلميذ، تتقدمهم فرقة من الدفوف، بينما كانت زوجته تحمل عوده كمن يحمل شيئًا مقدسًا، لم يُدفن في توشكى، لكن رماده انتشر في ثلاث قارات، على شاطئ طوكيو، وفي سهول تكساس، وفي زقاق ضيق بأسوان، حيث وقف طفل يُقلد إيقاع الساقية.
ترك خلفه أربعة عشر ألبومًا، ومسارًا يربط الموسيقى الروحية بالسرد الشفهي، ويحفظ ذاكرة شعبٍ كاد يُمحى، كانت موسيقاه مرآة يتقاطع فيها التاريخ والأسطورة، والجراح والشفاء، والأرض والسماء، من يستمع لـ "الساقية" اليوم لن يسمع آلةً فحسب، بل سيرى العجلات الخشبية تدور في ضوء الصباح، وسيشعر أن الماء الذي ينهض من الأحواض ليسقي الحقول هو الماء نفسه الذي يروي عطش الروح.