يشهد معبد إدفو في أسوان نشاطًا واسعًا على أكثر من مستوى، يجمع بين أعمال تطوير داخلية تهدف إلى تحسين تجربة الزوار، ومشروعات ترميم وتنقيب تكشف عن طبقات جديدة من تاريخ الموقع، إلى جانب جهود معقدة تتعلق بإدارة التوسع العمراني في محيطه والتعامل مع السكان المقيمين هناك.
في هذا الحوار، يكشف الدكتور أسامة إسماعيل، مدير عام منطقة آثار إدفو لـ"عين الأسواني" آخر مستجدات أعمال التطوير داخل المعبد، وخطط الترميم، وأهم الاكتشافات التي توصلوا إليها خلال أعمال التنقيب، بالإضافة إلى تفاصيل ملف تهجير السكان من حول الموقع الأثري، وكيفية التعامل معهم.

*تطوير المعبد
متى بدأت أعمال تطوير معبد إدفو؟ وأين وصلت؟
انطلقت أعمال تطوير معبد إدفو مع بداية عام 2024، ضمن خطة وضعتها وزارة السياحة والآثار لإعادة تأهيل عدد من المواقع الأثرية المهمة.
بدأت المرحلة الأولى بتغيير شبكة الإضاءة الداخلية بالكامل، مع مراعاة الطابع الأثري للمعبد، حيث استخدمنا وحدات إضاءة حديثة تُعرف بـ"الإضاءة المتناغمة والطبيعية" لا تؤثر على النقوش أو الجدران.
توالت بعدها مراحل التطوير، حيث شملت المرحلة الثانية توسعة أماكن ركن السيارات المحيطة بالمعبد لتيسير حركة الزوار، والمرحلة الثالثة إنشاء خزان مياه للحريق كجزء من منظومة حماية متكاملة، خاصة مع استقبال المعبد لأكثر من 6000 سائح خلال الموسم الشتوي.
ثم المرحلة الرابعة عبر تجديد نحو 60% من بلاط أرضيات المعبد، وهي أول عملية من نوعها منذ 20 عامًا، والمرحلة الخامسة الجارية حاليًا وهي إنشاء 39 بازارًا جديدًا داخل ساحة المعبد، إلى جانب تعديل مسارات الدخول والخروج وتوسيعها لتقليل الزحام، خصوصًا في فترات الذروة التي تشهد توافد رحلات سياحية متزامنة من الأقصر وأسوان، خاصة أيام الأحد والأربعاء.
ما الجهة التي تولت تمويل مشروع التطوير؟
تولت وزارة السياحة والآثار تمويل مشروع تطوير معبد إدفو بالكامل، دون أي مشاركة من جهات مانحة أو منظمات دولية، وتنفيذ المشروع اعتمادًا على ميزانية الوزارة فقط، في إطار خطة الدولة للاهتمام بالمواقع الأثرية وتطويرها بأيدي مصرية خالصة.
ما هو جدول أعمال التطوير في السنوات المقبلة؟ وهل هناك خطة طويلة الأمد؟
بالفعل هناك خطة مستقبلية طموحة تشمل إقامة ممشى سياحي يبدأ من كورنيش النيل مرورًا بالكنيسة الكاتدرائية، ثم الجامع العمري الذي يعود للعصر المملوكي، ويصل حتى معبد إدفو، المسافة لا تتجاوز 500 متر، والفكرة أن يسير الزائر في خط مستقيم يمر خلاله بمعالم دينية وأثرية تمثل تنوع الحضارات المصرية عبر العصور.
كما نعمل على تطوير منطقة الكاب الأثرية، التي كانت عاصمة مصر قبل التوحيد، وتضم مقابر كبار رجال الدولة الحديثة الذين خاضوا حروب التحرير ضد الهكسوس، ولدينا أيضًا مشروع متوقف حتى الآن لإقامة متحف إقليمي بمنطقة "الريديسة" لعرض آثار مدينة إدفو، فالأرض مخصصة بالفعل، لكن العمل لم يبدأ حتى الآن من قِبل قطاع المتاحف، ولا نعرف السبب.
هل تشمل خطة التطوير الحالية أعمالًا أخرى داخل المعبد؟
نعم، هناك مشروع ترميم مستمر يركز على المعبد الرئيسي، ويهدف إلى تنظيف النقوش الجدارية من طبقات الاتساخ التي تراكمت عبر السنوات، لإبراز ألوانها الأصلية.
خلال الموسم الماضي، تعاونت وحدة ترميم آثار إدفو مع عدد من البعثات الأجنبية، من بينها بعثة ألمانية تابعة لجامعة "سورت سنورت"، وأسفر هذا التعاون عن إظهار ألوان زاهية في بعض غرف المعبد لم تكن واضحة من قبل، لأن المشروع يُنفذ بشكل تدريجي، ومن المقرر الإعلان عن نتائجه بعد اكتمال كافة مراحله.

ماذا عن تطوير البنية التحتية خارج المعبد لتسهيل وصول الزوار؟
إلى جانب تنفيذ الممشى السياحي الذي أشرنا إليه سابقًا، نخطط لتحسين البنية التحتية المحيطة بالمعبد من خلال طلاء جدران الشوارع المؤدية إليه، وتركيب وحدات إضاءة حديثة لإنارة الطرق، بما يضمن توفير بيئة آمنة ومريحة للزائرين، ويُحسّن من الصورة العامة للمنطقة المحيطة بالموقع الأثري.
ما التحديات التقنية في أعمال الإضاءة وتغيير الأرضيات داخل موقع أثري حساس؟
في الواقع، لم نواجه صعوبات تُذكر أثناء تنفيذ هذه الأعمال، التزمنا بشكل صارم بكافة المعايير الفنية المعتمدة من المجلس الأعلى للآثار والخاصة بالتعامل مع المواقع الأثرية الحساسة، لضمان حماية المعلم التاريخي وعدم التأثير على بنيته الأصلية.
ما هو دور البازارات الجديدة في عملية التطوير؟
أغلب الأفواج السياحية كانت تزور المعبد في وقت محدود، ما لم يسمح لهم بالتوقف عند البازارات القديمة، لذلك، أعدنا تنظيم المسارات الداخلية وزيادة عدد البازارات بحيث يمر السائح بها خلال جولته، ومن المقرر تأجير هذه البازارات لأبناء المنطقة ممن لديهم خبرة في العمل السياحي، مما يسهم في خلق فرص عمل مباشرة ويقلل من معدلات البطالة في إدفو.
هل هناك أعمال توسعة أو تنقيب في محيط المعبد؟
تشهد المنطقة الواقعة غرب معبد إدفو حاليًا أعمال استكشاف تهدف إلى الكشف عن بقايا المساكن القديمة التي كانت مخصصة للكهنة في العصور الفرعونية، ورغم أن أعمال الحفائر لا تزال جارية ولم تُعلن نتائجها بشكل رسمي بعد، إلا أن المؤشرات الأولية توحي بأهمية الموقع، وتشارك في هذه الجهود بعثات أثرية أجنبية، من بينها بعثة من جامعة "ييل" الأمريكية.

*الاكتشاف الأثري
ما أبرز الاكتشافات الأثرية التي عثرتم عليها حتى الآن أثناء عملية التطوير؟
خلال المواسم السابقة، كشفت أعمال التنقيب عن مجموعة من المنشآت المهمة، من بينها مخازن غلال ضخمة كانت تُستخدم لتخزين محاصيل الأراضي الزراعية التابعة للمعبد، مما يشير إلى وجود نظام اقتصادي منظم شبيه بالمؤسسات الحكومية.
كما عُثر على مخابز وأفران لصناعة الخبز، استخدمت في إعداد الطعام اليومي المُقدّم لتمثال الإله، وتركزت هذه الاكتشافات في منطقة "تل إدفو"، ما يدل على وجود مجتمع متكامل من سكان وعمال عاشوا في محيط المعبد.
وماذا عن المناطق السكنية هل هناك مؤشرات أولية لوجود معالم أثرية بها؟
حتى الآن لا توجد مؤشرات مباشرة على وجود آثار أسفل المناطق السكنية، إذ لم تبدأ بعد أعمال التنقيب الفعلية في هذه المواقع، نحن لا نزال في مرحلة إعداد الخطة الخاصة ببدء الاستكشاف، والتي ستحدد مناطق البحث وفقًا للدراسات الأولية والخرائط الأثرية المتوفرة.
كيف تحدث أعمال التنقيب نحو الاستكشافات الأثرية؟
تعمل البعثات الأجنبية بالتنسيق الكامل مع الباحثين المصريين، كما يجري تدريب كوادر مصرية جديدة بشكل مستمر، لمواكبة أحدث ما وصلت إليه تكنولوجيا التنقيب والتحليل والتوثيق، بما يضمن استمرار العمل وفق أعلى المعايير العالمية.
هل يمكن أن تسهم الاكتشافات الجديدة في تغيير فهمنا لطبيعة الحياة في تلك الحقبة؟
بالتأكيد، معبد إدفو يقدم نموذجًا فريدًا للحياة المتكاملة في مصر القديمة، إذ تكشف الطبقات الأثرية هناك عن أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وليس فقط الجوانب الدينية كما هو شائع في كثير من المواقع الأخرى، هذه الاكتشافات قد تعيد رسم ملامح تلك الحقبة التاريخية من زوايا جديدة لم تكن مدروسة بعمق من قبل.
كيف توثق الاكتشافات الأثرية؟ وهل هناك نية لعرضها في معرض دائم أو مؤقت؟
تمر عملية التوثيق بعدة مراحل دقيقة، تبدأ بالتقاط صور للقطع في موقعها الأصلي، ثم تُنتشل باستخدام أدوات وأساليب علمية تضمن الحفاظ على حالتها، وبعد ذلك تُسجل بدقة في دفاتر القيد، ويُعاد تصويرها ورسمها لتوثيق تفاصيلها بالكامل، من المقرر إقامة متحف إقليمي في منطقة "الريديسة" لعرض هذه القطع، خاصة المرتبطة بمدينة إدفو، لكن المشروع قيد التنفيذ.

*نقل السكان
ما هي المساحة التي يشغلها معبد إدفو والمناطق المحيطة به؟
تبلغ مساحة الكتلة المعمارية الأساسية للمعبد نحو 6666 مترًا مربعًا، بينما تمتد المساحة الكلية للموقع بما في ذلك مساكن الكهنة والمزارعين والمخازن والأماكن الصناعية المحيطة إلى أكثر من 35 فدانًا.
وتعد هذه الأراضي جميعها ضمن أملاك وزارة السياحة والآثار، ويجري العمل حاليًا على استكمال أعمال التنقيب فيها، للكشف عن ملامح المدينة القديمة التي نشأت بجوار المعبد.
هل حددتم نطاق معين لأعمال التنقيب في المرحلة المقبلة؟
الجهة الشرقية للمعبد تضم الميناء التاريخي الذي كانت تصل منه الإلهة حتحور من معبد دندرة خلال زياراتها الطقسية، إلا أن أعمال التنقيب في هذه المنطقة لم تبدأ بعد بسبب وجود مساكن قائمة حاليًا، مما يستدعي تعويض السكان، وهي عملية مكلفة لم تُحسم بعد.
وتعمل وزارة الآثار بالتنسيق مع الجهات الحكومية على تدبير التعويضات المطلوبة، إلى جانب جهود أخرى للحد من ارتفاع المباني الحديثة المحيطة بالمعبد، بالتعاون مع الوحدة المحلية والإدارات الهندسية، للحفاظ على الرؤية البصرية للموقع الأثري.
هل تم حصر السكان الذين يشملهم قرار الإزالة في محيط المعبد؟
نعم، تم حصر السكان المتأثرين، وتوفير مساكن بديلة لهم ضمن مشروع سكني جديد أقامته الحكومة جنوب مدينة إدفو، حيث يبلغ عدد الأسر المتضررة نحو 225 أسرة، وهجرنا ما يقرب من 90% منهم وتسليمهم وحداتهم السكنية، ويجري حاليًا العمل على تدبير التعويضات المالية الخاصة بقيمة الأراضي والمنازل التي كانوا يشغلونها.
هل واجهتم اعتراضات من السكان خلال عملية الإخلاء؟
لم نواجه اعتراضات تُذكر، إذ أن معظم المنازل القديمة كانت مبنية من الطين وفي حالة إنشائية سيئة، الأمر الذي سهّل من تقبل السكان لفكرة الانتقال، خاصة مع توفير مساكن حديثة بديلة بمواصفات أفضل، وهو ما ساهم في إنجاز عملية الإخلاء بسلاسة.
هل انتقل جميع السكان من المنطقة المحيطة بالمعبد؟
نسبة كبيرة من السكان التزموا بعملية الترحيل، ولم يتبقَ سوى نسبة بسيطة لا تتعدى 1%، أي حوالي 6 أسر فقط، والسبب في رفضهم الانتقال يعود إلى ارتباطهم بأنشطة زراعية وتربية مواشي لا يمكنهم ممارستها في الحي الجديد.
كيف اخترتوا موقع حي الترحيل الجديد؟ وهل يراعي قرب السكان من أماكن عملهم؟
انشأنا الحي السكني الجديد في جنوب مدينة إدفو، على مسافة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا من المنطقة الأصلية، بهدف تقليل المسافة عن أماكن العمل والمعيشة السابقة للسكان، وتسهيل اندماجهم في الموقع الجديد دون معاناة.
هل يضم الحي الجديد خدمات تلبّي احتياجات السكان؟
بالفعل، الحي مصمم ليكون مجتمعًا سكنيًا متكاملًا، حيث يضم مدرسة، مسجدًا، عددًا من المحلات التجارية، إلى جانب حديقة للنشاط الاجتماعي، بما يوفّر بيئة مناسبة للحياة اليومية ويُشجّع السكان على الاستقرار.
ما الإجراءات المتخذة لمنع التمدد العمراني المخالف حول المعبد؟
نعمل حاليًا على إعداد تشريع جديد ينظم ارتفاعات المباني المحيطة بالمعبد، خصوصًا أن ارتفاع المعبد يصل إلى 36 مترًا، أي ما يعادل 12 طابقًا، وعندما تقترب المباني من هذا الارتفاع فإنها تؤثر سلبًا على المشهد البصري والتراثي العام للموقع.