"العقاد".. مؤسس "الديوانية" و"ناقد الملك"

أرشيفية_ عباس محمود العقاد

Written By إسراء عبد المنعم
2025-06-28 13:00:08

عباس محمود العقاد، اسم أصبح مرادف للعقل المستنير والنضال الثقافي في مصر والعالم العربي، وُلد في أسوان في 28 يونيو 1889، لأسرة مصرية أصيلة وأم كردية الأصل في تلك المدينة التي تحتضن مزيجًا من تاريخ النيل وجماله، نشأ العقاد، وكان للمكان بصمة واضحة على شخصيته، في أسوان بموقعها التاريخي كانت نقطة انطلاقه نحو الفكر والنضال، كما كانت روحها الطيبة هي التي شكلت بداية شخصيته المتعمقة في البحث عن المعرفة.

البداية 

بدأ العقاد حياته في أسوان حيث اقتصرت دراسته على المرحلة الابتدائية فقط بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، وكان يواجه تحديات كبيرة في الحصول على التعليم الرسمي لكن، كما يحدث مع العقول اللامعة، كانت المعوقات بالنسبة له حافزًا لا للاستسلام، بل لتحويل التحديات إلى نقاط قوة استعان العقاد بذكائه الطبيعي وشغفه العميق بالقراءة والتعلم، وبدأ في تأسيس ثقافة موسوعية شملت مجالات الأدب، الفلسفة، والسياسة، إلى جانب دراساته في الأدب الغربي.

لم يكن العقاد مجرد قارئ، بل كان يلتقط خيوط المعرفة من جميع الاتجاهات تعلم اللغة الإنجليزية ليس من خلال الدراسة التقليدية، بل من خلال تفاعله اليومي مع السياح في أسوان والأقصر، مما أتاح له الاطلاع على الأدب الغربي ومفاهيمه لم يكن ذلك مجرد فهما للأدب، بل كان فهمًا عميقًا لكيفية رؤية العالم وماهية المثل العليا كان شغفه بالكتب يدفعه للبحث المستمر عن كل ما من شأنه أن يوسع مداركه. فبنى عالماً فكريًا يترابط فيه القديم والجديد، ويخلق منه نسيجًا فكريًا متميزًا، جعل منه واحدًا من أبرز المفكرين في عصره.

السفر للقاهرة 

انتقل العقاد إلى القاهرة، حيث بدأ العمل في وظائف حكومية بسيطة، من بينها مصلحة التلغراف ومصلحة السكة الحديد، لكنه شعر دائمًا بأن هذه الأعمال لا تتناسب مع طموحاته الفكرية، ومع مرور الوقت، بدأ العقاد يشعر أن تلك الوظائف ليست سوى قيود تكبله، فقرر أن يتخلى عنها ويرتقي إلى مجال الصحافة، حيث بدأ في الكتابة والمساهمة في العديد من الصحف والمجلات، كان يكتب مقالاته بنبرة جادة وحماسية، ويعبر عن آرائه بحرية، مما جعله يتعرف على الشخصيات الأدبية والسياسية البارزة في مصر.

شارك العقاد في إصدار جريدة "الدستور" مع محمد فريد وجدي، وهي فرصة ليتقارب مع الزعيم سعد زغلول، وتتعزز مبادئه الوطنية، كان العقاد في هذه المرحلة يتعلم الكثير عن العمل السياسي ويشكل أفكاره حول دور الأدب في السياسة والمجتمع، لم يكن العقاد مجرد كاتب، بل كان صوتًا ثقافيًا ناضجًا يتطلع إلى تحقيق التغيير في مجتمعه من خلال إسهاماته الأدبية والفكرية.

المدرسة الديوانية

عام 1921، أسس العقاد مع الشاعرين إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري "مدرسة الديوان" الأدبية، التي كانت تمثل تيارًا تجديديًا في الشعر العربي، حيث دعوا إلى التخلي عن الأشكال التقليدية وفتح آفاق جديدة للشعر العربي كانت هذه المدرسة حجر الزاوية لنهضة أدبية حقيقية في العالم العربي، حيث قامت على تجديد الشعر بما يتماشى مع العصر الحديث. ومع مرور الوقت، أصبح العقاد بمفرده واحدًا من أبرز مفكري ومدوني هذا العصر، مزيجًا بين الفلسفة والتاريخ والشعر.

اعتقاله وموقفه السياسي

لم يكن العقاد فقط كاتبًا أو شاعرًا، بل كان له دور مهم في النضال السياسي في عام 1930، اُعتقل بسبب هجومه العنيف على محاولات الملك فؤاد تعديل الدستور وقد ظل يُذكر في تاريخ السياسة المصرية بعد تصريحه الشهير في البرلمان: "إن الأمة على استعداد أن تسحق أكبر رأس في البلاد إذا خان الدستور" كانت هذه الحماسة السياسية هي التي دفعته إلى أن يصبح أحد أبرز المدافعين عن الدستور المصري والحقوق المدنية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تعرض العقاد لموقف صعب، حيث وقَفَ ضد النازية في وقت كانت فيه بعض الأوساط المصرية تميل إلى تأييد دول المحور اضطر العقاد، بسبب موقفه المناهض للنازية، إلى الهروب إلى السودان عام 1943 بعد أن أصبح هدفًا للنازيين ورغم ما عاناه، عاد إلى مصر بعد نهاية الحرب ليواصل عمله الفكري والسياسي.

شعر وفلسفة

أصدر العقاد العديد من الدواوين الشعرية التي غلب عليها الطابع الفلسفي، ومن أبرزها "يقظة الصباح" عام 1916، و"وهج الظهيرة" عام 1917، و"أشباح الأصيل" عام1921.

و كانت قصائده تتراوح بين الحزن العميق والتأملات الفلسفية في الحياة والوجود من خلال شعره، استطاع العقاد أن يعبر عن مواقفه السياسية والفكرية التي دافع عنها بكل شجاعة، دون أن يتنازل عن حبّه للغة العربية وجمالها.

وقد نجح العقاد في ربط الأدب بالواقع، فمقالاته كانت تلهم الشباب وتشحذ عزائمهم نحو التغيير كتب في السياسة، والفلسفة، والاجتماع، وكان يصر دائمًا على أن الأدب يجب أن يكون أداة لتشكيل الرأي العام وتوجيهه نحو الإصلاح.

تكريم وإرث 

في عام 1934، كُرّم العقاد في حفل أقيم في مسرح حديقة الأزبكية، وألقى فيه طه حسين كلمة ممتدحًا فيه شعر العقاد قائلاً: "حين أسمع شعر العقاد، إنما أسمع الحياة المصرية الحديثة وأتبين المستقبل الرائع للأدب العربي الحديث" كانت هذه اللحظة دلالة على تقدير الأدباء والمثقفين لمكانة العقاد الرفيعة في الأدب العربي.

استمر العقاد في عطائه الأدبي حتى وفاته في 12 مارس 1964، ليترك إرثًا ثقافيًا عظيمًا يتجاوز حدود الزمن والمكان. كتب ما يزيد عن مائة كتاب في مختلف المجالات الأدبية والفكرية، فضلاً عن مقالاته العميقة التي أغنت المكتبة العربية. كان العقاد دائمًا في طليعة المدافعين عن الحقوق الإنسانية والديمقراطية، وقدم رؤى فلسفية وأدبية جعلته من أبرز الأسماء في تاريخ الأدب العربي.

رحل العقاد، لكن أفكاره وأدبه ظلوا يضيئون طريق الأجيال المقبلة، وترك لنا ميراثًا لا يُقدّر بثمن من الحكمة والمعرفة التي كانت وستظل مصدر إلهام للمثقفين والأدباء في العالم العربي.