"حجاج الباي".. تمسك بـ"إدفو" ومنع الموت دواوينه الأخيرة

صورة ارشيفية

Written By إسراء عبد المنعم
2025-04-27 11:00:04

في مدينة إدفو شمال محافظة أسوان، نشأ الشاعر حجاج احمد محمد الباي عام 1935، وسط حكايات الجنوب الشعبية والموروثات الثقافية التي انعكست لاحقًا في أعماله، ليصبح واحدًا من أهم شعراء العامية المصرية، حتى وإن لم يحظ بشهرة واسعة مقارنة بغيره من أبناء جيله.

من الفصحى

في سن مبكر بدأ حجاج الباى رحلته الشعرية بالفصحى، متأثرًا بتيار الشعر الكلاسيكي، الذي كان سائدًا في مصر خلال خمسينيات القرن الماضي، إلا أن نقطة التحول في حياته جاءت عام 1958، حينما اكتشف أن شعر "العامية" هو الأقرب إلى قلبه، وأنه الأقدر على التعبير عن أحلام وآلام الناس خاصة في بيئته الصعيدية التي تمتاز بـ "البساطة والعُمق" في آنٍ واحد، على حد قوله.

البداية

ولم يكن من السهل على شاعر صعيدي أن يشق طريقه في ساحة الشعر العامي، والتي كانت تتركز في القاهرة حيث يسطع نجم الشعراء الذين يحظون بدعم المؤسسات الثقافية والإعلام، لكن موهبة حجاج الباى الفريدة مكّنته أن يصبح جزءًا من الحركة الشعرية العامية في مصر، متفاعلًا مع رموزها الكبار مثل صلاح جاهين، وفؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، عبد الرحيم منصور.

يقول "الباي" عن أشعاره: 

أنا شاعر طويل الباع

بقول الكلمة بألف دراع

وأقول الحكمة ذي شراع

لا أنا خداع ولا بداع.

إدفو 

ورغم هذه الصحبة القوية، أثر قرار الباي بالبقاء في إدفو وعدم الانتقال إلى القاهرة على شهرته، حيث كانت الأضواء والفرص متاحة بشكل أكبر، على فرصه وشهرته، لكنه بقي صادقًا مع نفسه، مفضلاً أن يكون قريبًا من الناس الذين يكتب عنهم، بدلاً من البحث عن مجد شخصي في العاصمة.

طبيعة صعيدية

تميّز شعر حجاج الباى بالمزج بين البساطة والعُمق، حيث كان قادرًا على التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى قصائد نابضة بالحياة. وقد تناول في شعره موضوعات متعددة، منها الإنسانية، والحب، والهموم الوطنية، والنضال الشعبي، وأحلام الفقراء وكان دائمًا يعكس طبيعة الصعيد وما تحمله من ألم، وصبر، وعزة نفس، وكبرياء.

حيث يقول في قصيدته : 

لما الربابة تئن

ممكن قلوبنا تحن

والشوق يجمعنا

قول يا مغنواتي قول

والله ما ضيعنا

إلا سكات الطير عن المغنى

الليل مالوش معنى

إلا الرباب إن قال

واتسحب الموّال

على جرح يوجعنا

ديوان وحيد

ولم يصدر الباي سوى ديوان واحد في حياته، في منتصف الثمانينيات، وهو "حكاية عروسة البحر"؛ يتضمن قصائد تحكي بأسلوب سردي جميل عن الإنسان وعلاقته بالوجود، مستخدمًا الرمزية البسيطة التي تجعل القارئ يتفاعل مع النص دون عناء.

المغنواتي

ومن أبرز قصائد الديوان كانت "المغنواتي"، التي تجسد ارتباطه بالتراث الموسيقي والموروث الشعبي المصري، حيث يحكي فيها عن المغني الشعبي الذي يجوب القرى والنجوع، حاملاً معه أحزان الناس وأفراحهم.

يقول فيه "الباي": 

لما الزناتي وقع ، ودياب طلع سكه

ابوزيد بعد ع الدكه يتحكى 

ويحك جرح الزمن حكه ورا حكه

صوت السواقي هم 

لون السواقي دم 

الجرح لم يتلم

واتلمت الضحكه

لم يفتحوا عكا

دواوين الموت

وخطط "الباي" لإصدار مشروعي ديوانين آخرين، هما "الحلم في الممنوع" و"الريح والنخل والغراب"، لكن القدر لم يمهله وقتًا لإتمامهما، حيث وافته المنية في 21 أبريل 1991. ولا تزال مخطوطاته محفوظة لدى عائلته وأصدقائه، ويأمل البعض في نشرها مستقبلًا.

ورغم قلة أعمال الباي المنشورة، إلا أن موهبته لم تمر دون تقدير، فقد حصل على عدة جوائز مهمة، منها: شهادة الدولة التقديرية في عيد الفن والثقافة الأول عام 1979، وجائزة الشعر الأولى في مؤتمر الأدباء الشباب بالزقازيق عام 1969، وجائزة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية عام 1970، وجائزة الثقافة الجماهيرية عام 1972.

تفاعل

كان حضوره الشعري قويًا في المؤتمرات الأدبية والمهرجانات الثقافية، حيث كان يشارك في اللقاءات الشعرية التي تُقام في أسوان، والأقصر، وسوهاج، والمنيا، مما جعله شاعرًا قريبًا من الجمهور، رغم أنه لم ينل شهرة إعلامية واسعة.

ولا يزال شعر حجاج الباى حيًا بين عشاق شعر العامية المصرية، خاصة في الجنوب، حيث يجد الناس في كلماته صدىً لتجاربهم ومشاعرهم فقد استطاع أن يعبر عن حياتهم بأمانة، وكان بمثابة المتحدث الرسمي باسمهم، رغم أنه لم يكن يسعى إلى الأضواء.

بصمة 

ويمكن اعتباره نموذجًا للشاعر الذي لم يطارد الشهرة، لكنه ترك بصمة قوية في وجدان محبيه، وكان مثالًا للإبداع الصادق النابع من الأرض والناس وبسبب فرادته، ولا يزال اسمه يُذكر في الأوساط الأدبية، ويُعاد اكتشافه بين الأجيال الجديدة التي تهتم بشعر العامية المصرية.

أثر 

وكان لبُعده عن القاهرة كمركز ثقافي وإعلامي في مصر، سببًا في عدم شهرته على المستوى الوطني، حيث اختار البقاء في الصعيد، وساهمت قلة نشر أشعاره، وعدم اهتمامه بجمع قصائده في دواوين مطبوعة، في ضياع الكثير من أعماله وبقاءه بعيدًا عن الأضواء.

رحل جسد "الباي"، لكن كلماته ما زالت تسبح في فضاء العامية المصرية، تلهم كل من يريد أن يكتب عن الإنسان الحقيقي، البسيط، الذي يحلم ويكافح في صمت.

صور أ{شيفية للشاعر حجاج الباي