في زاوية حديقةٍ قديمة، يقبع مقعد خشبي متهالك، ذو طلاء بني باهت أبى أن يختفي رغم مرور الزمن، يجلس عليه رجل ستينيّ، يحمل في عينيه لمعة حنين، وفي يده عصا تهتزّ قليلاً مع كل نسمة هواء.
كان يأتي كل صباح، يجلس وحده، يراقب الشباب وهم يركضون ويضحكون، يحملون سماعات الأذن، وأحلامهم الكبيرة، يبتسم أحيانًا، يقطب جبينه أحيانًا أخرى، لا أحد يعرف اسمه، لكن الجميع يعرفه بمكانه، في أحد الأيام، اقترب منه شاب بدا عليه الفضول، جلس بجانبه وسأله: هل تحب الجلوس هنا يوميًا؟
رد العجوز بابتسامة هادئة:
بل أعود إلى الماضي كلّ يوم من هنا، على هذا المقعد، قبل أربعين عامًا، كنت أجلس مع أصدقائي، كنا نحلم ونتشاجر ونضحك ونخطط للمستقبل سويًا، ظننا أن الوقت لا ينفد أبدًا، لكننا افترقنا.. بعضنا سافر وبعضنا مات وبعضنا اختفى في زحمة الحياة، وأصبح كل منا في حياته، لم نعد نلتقي، أنا فقط من بقي، أعود كل يوم لأتذكر اجتماعنا والضحك والأحاديث الجميلة.
صمت الشاب قليلًا، ثم قال: هل ندمت على شيء؟
نظر العجوز بعيدًا وقال: ندمت فقط على اللحظات التي ظننتُ أنني سأعيش مثلها كثيرًا… ولم أعد أراها أبدًا.
سكت الشاب ونهض ببطء، ثم التفت إليه وقال: سأجلس هنا غدًا مع أصدقائي.
ضحك العجوز وقال: افعل ذلك، لكن تذكر… لا تؤجل الضحك ولا الكلمات الطيبة، فكل لحظة تُعاش مرةً واحدة فقط.