قشرٌ لا يُؤكل

صورة ارشيفية لبيض شم النسيم الملون

Written By جنة الله أشرف عطية
2025-04-20 06:56:44

كانت تجلس قبالة المائدة كمن ينتظر حدثًا جللًا، أمامها صحن بيض مسلوق، وأكوابٌ زجاجية تحتوي ألوانًا مائية تذوب في الخلّ والماء، يدها الصغيرة ترتجف وهي تغمس البيضة الأولى، كأنّها لا تلوّن بيضةً، بل تضع بصمتها الأولى على العالم.

لم تكن تحب البيض، ولم تُخفِ يومًا اشمئزازها من رائحته، ولا امتنعت عن إعلان نفورها منه بصراحة طفوليّة. لكنها كانت تُصِرُّ على المشاركة في طقس التلوين، كأنّ روحها لا ترتوي إلا حين ترى البيضة تخرج من اللون كمن يولد من جديد.

تقول لها أمّها، وهي تراقبها بابتسامة ممزوجة بالعجب:

– "هيا، كُلي واحدة على الأقل".

فتُصيح الطفلة بوجهها في حزم:

– "أنا لا أُلوِّن لأأكل، بل لأُجمِّل".

كبرت الطفلة، ومرت الأيام كما تمر الساعات، وتراكمت على الأعياد فصولٌ من الدراسة والامتحانات والضغوطات، حتى غاب البيض عن المائدة، وغابت الألوان، وغابت الطفلة التي كانت تملأ الدنيا دهشةً بأبسط الطقوس، وأصبحت الذكريات تمر على سطح الزمن مثل شريط مهمل، يغلفه الغبار، ثم ينسحب سريعًا.

ذات مساء ربيعيّ باهت، وفي خضم ترتيبها لركنٍ مهجور من خزانة الطفولة، لامست يديها شيئًا ناعمًا، فرشاة صغيرة، مشوّهة الشعيرات، وتحتها علبة بلاستيكية عليها آثار لون بنفسجيّ متيبّس.

أمسكتها برفق، كأنها تنتشل ذكرى ضاعت بين أزمنة لم تعد حاضرة،كانت تلك الحركات البسيطة، مثل لمس الذاكرة بعد فترات طويلة من السكون.

ثم، في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب يتسلل داخلها، كانت البيضة نفسها مجرد قشرة، ولكن ما كان يختبئ في داخلها كان شيئًا آخر، لم يكن طعامًا، بل كان لحظة كان من السهل نسيانها، تلك اللحظة التي لا تُؤكل، لكنها تُعيد تشكيل كل شيء، اللحظة التي فهمت فيها أنه ربما لا تحتاج إلا إلى الألوان والذكريات لتدرك أن ما فُقد لم يكن أبداً بعيدًا.