قد لا يمثل امتحان الفيزياء لدى كثير من طلاب وطالبات الثانوية العامة مجرد اختبار للمعلومات، التي اكتسبوها على مدار العام، بل اختبار لقوة تحمّل الجهاز العصبي، ويوم الامتحان تتحول ورقة الأسئلة مدعاةً للإغماء الفوري.
في أحد الأيام، بينما كنت أجلس في حديقة هادئة وسط نسائم الصيف، مرّت بجانبي مجموعة من طالبات الثانوية العامة بعد انتهاء اختبار الفيزياء وفجأة، اندفعت الذكريات عبر الأحاديث المتداخلة لنساء وفتيات جلسن بقربي، كلٌّ منهن تروي تجربتها.
روت هاجر تجربتها مع امتحان مادة الفيزياء وبدأت بوصف الطقس الذي كان شديد الحرارة، وشهدت اللجان حالات إغماء عديدة بين الطالبات، كنت ضمن دفعة 2017 - 2018، ثم بادلتها الحديث فتاة تدعى أسماء، التي تذكرت أنها كانت "أول دفعة" في نظام البابل شيت عام 2021، عندما دخلت ومعها كتيب الأسئلة "البوكليت"، دونت فيه القوانين والمعلومات التي خشيت نسيانها.
كان امتحان الفيزياء وقتها شديد الصعوبة، على حد قول الفتيات، فلم يتمكن أحد من مدرسة "أسماء" الالتحاق بأي كلية من تلك التي يطلق عليها كليات القمة، وكان الامتحان مليئًا بالأسئلة المعقدة، وكانت أصعب الأسئلة تتعلق بالقوانين، لقد كان هذا الامتحان هو الأصعب في حياة "أسماء" كما تقول.
وفاء، هي الأخرى روت ذكرياتها مع امتحان الفيزياء، وهي التي كانت ضمن دفعة 1996-1997، التي اتسمت بالهدوء والبعد عن الرهبة، مقارنًة بالسنتين الأخيرتين، كما تقول، وكان نظام التحسين الذي كان معمولاً به وقتها يهون الكثير، ويمنح الطلاب فرصة تعويض درجات المواد الدراسية، أو الفيزياء تحديداً.
كنت أستمع إلى هذه المداخلات، وكان ما يدور في ذهني حالة واحدة فقط، وهو يظل اللغز المحيط بامتحان الفيزياء، وما يصحبه أحيانًا من حالات إغماء، ظاهرة تستدعي وقفة تأمل عميقة، إنها ليست مجرد رد فعل جسدي لضغط عابر، بل هي مؤشر صارخ على أن شيئًا ما في منظومتنا التعليمية قد بلغ نقطة حرجة.
بينما يُفترض بالفيزياء أن تكون رحلة استكشاف ممتعة لقوانين الكون، تتحوّل في أذهان الكثيرين إلى كابوس يستنزف الطاقات ويُرهق الأعصاب، ولعل السبيل الوحيد لكسر هذه الدائرة المفرغة يكمن في إعادة تقييم شاملة للمناهج وطرق التدريس وأنظمة التقييم، فقد نرى نهاية لمشهد الإغماءات المتكرر، ونبدأ في بناء جيل يرى في الفيزياء نورًا يُضيء العقول، لا ظلامًا يُغشى الأبصار.