"أبي الذي أكره".. عن أثر الإساءة للأبناء

تصميم| محمد صلاح

Written By أمنية فهد
2025-08-11 17:00:05

في مجتمع؛ تتوارى فيه المشاعر خلف قوالب ثابتة، تُمنح فيها الأبوة سلطة مطلقة دون مراجعة، يأتي كتاب "أبي الذي أكره" كصرخة جريئة ومؤلمة، من قلبٍ لم يجد في والده الحنان بل الغياب، وفي العلاقة التي كان يُفترض أن تكون حضنًا، وجد الجرح الأبقى.

الكتاب لمؤلفه عماد رشاد عثمان، الصادر عام 2020، لا يدعو إلى كراهية الآباء، بل إلى الصدق في تقييم التجربة الإنسانية داخل الأسرة، وهو اعتراف من طفل أصبح رجلاً، بأن الصمت لم يُشفِ، وأن المظاهر لم تكن كافية وأن الجروح حين تُكبت؛ تتفاقم.

من يقرأ "أبي الذي أكره" بإنصاف، لن يراه تمردًا مراهقًا أو جحودًا، بل محاولة لفهم الذات، فليس من السهل أن يجرؤ أحدهم على النطق بما لا يُقال، وأن الأب، في بعض الحالات، قد يكون مصدر ألم لا شفاء منه.

الكتاب لم يكتب بغرض التشهير أو التشفي، بل بصدقٍ مؤلم يعكس الوجع الذي يعيشه كثيرون لكنهم لا يجدون صوتًا يُعبّر عنهم، ويفتح بابًا لحديث عائلي يعتبر عند كثيرين محظورًا.

المجتمعات العربية كثيرًا ما تُحمّل الأبناء واجب "الرضا المطلق" عن آبائهم، بصرف النظر عن طبيعة العلاقة، هذا الكتاب يضع هذه الفكرة تحت المجهر، فهو لا يقدّم خطابًا عدائيًا، بل يُطالب فقط بأن يُعترف بمشاعر الأبناء حتى إن كانت قاسية، فالكره هنا لا يعني الحقد، بل يعني "الخذلان"، وكم من ابن خذله والده دون أن يدري!

إن الدفاع عن هذا الكتاب هو دفاع عن الحق في التعبير العاطفي الصادق، ورفض للتجميل القسري للعلاقات العائلية، التي قد تكون مؤذية تحت عباءة "الأبوة" أو "البر".

يُؤيد هذا الكتاب فكرة أن الألم غير المعترف به لا يزول بل يترسخ، وأن الاعتراف بالوجع، حتى لو حمل كلمات جارحة مثل "أكرهك"، قد يكون بداية لمصالحة أعمق مع النفس، فهو لا يهاجم قيمة الأبوة بل يطالب بمراجعتها، حين تُمارَس بشكلٍ جاف ومتسلّط وغير مسؤول.

الأدب ليس بالضرورة مرآة مثالية، بل قد يكون انعكاسًا لواقع أكثر إيلامًا، و"أبي الذي أكره" لا يقدّم قصة بطولية، بل يقدّم إنسانًا محطمًا يبحث عن معنى، إنه دفاع عن الطفولة المقهورة، عن الطفل الذي ما زال يعيش في جسد الرجل، وعن فكرة أن المواجهة قد تكون أول خطوات التعافي.

وفي النهاية، لا يمكن اعتبار "أبي الذي أكره" كتابًا صادمًا إلا لمن تعوّد أن يضع الغطاء فوق الألم، إنه دعوة لأن نفهم أن العلاقات العائلية ليست دائمًا ملاذًا آمنًا، وأن الإصلاح لا يبدأ إلا بالاعتراف، فبدلًا من أن نُدين من يتكلم، لعل الأجدى أن ننصت، لعلنا نعيد النظر في مفاهيم قديمة آن لها أن تتجدد.