على ناصية الحلم

صورة مولدة بالـAI

Written By زياد العارف
2025-06-10 11:28:45

بعد يوم طويل ومرهق، اعتدت أنا وبعض الأصدقاء أن نلتقي في أحد الأماكن الهادئة، حيث نقضي ساعاتٍ من الحديث العفوي الذي يدور حول تفاصيل يوم كلٍّ منا وما أنجزه، وبما أزعجه، وما صادفه من مواقف. 

ورغم تنوع المواضيع التي نتناولها في كل لقاء، فإن هناك فكرة واحدة تظل حاضرة بشكل متكرر، تطفو إلى السطح في كل جلسة وكأننا لا نملّ من التفكير فيها ولا نملك الهروب من فكرة الاستقرار. حيث تتكرر الأسئلة ذاتها كل مرة، وتبقى بلا إجابات قاطعة: "كيف ستكون حياتنا بعد التخرج؟، هل سنتمكن من العثور على العمل المناسب؟، وهل سنستطيع لاحقًا تكوين أسرة وتحمل أعبائها في ظل ما نعيشه من غلاء وضغوط اقتصادية؟".

لكل واحد منا رأيه الخاص ونظرته المختلفة، بحسب تخصصه وخبرته وطموحاته، كان صديقي محمد أول من بادر بالكلام، هو شاب في نهاية رحلته الجامعية بكلية التجارة، لم يتبقَّ له سوى فصل دراسي واحد ليصبح خريجًا رسميًا، اعتاد محمد أن يردد مازحًا كلما تحدث أحدهم عن تخرجه القريب: "العواطلية هيزيدوا واحد".

رغم النبرة الساخرة في كلماته، إلا أنها تخفي خلفها قلقًا حقيقيًا وخوفًا واضحًا من المجهول، لأن محمد، مثل كثير من الشباب، يفكر كثيرًا فيما ينتظره بعد أن يطوي صفحة الجامعة، هل سيحصل على وظيفة؟ وهل سيتمكن لاحقًا من تغطية تكاليف الزواج التي باتت ترهق الشباب؟ بين أسعار الذهب المرتفعة، والمساكن المكلفة، ومتطلبات تأثيث بيت الزوجية، تبدو الحياة المقبلة وكأنها جبل يصعب تسلقه.

يرى محمد أن الحل الأنسب يكمن في السفر إلى الخارج، حيث يأمل أن يجد هناك فرصة عمل جيدة تضمن له دخلًا ثابتًا، يمكنه من تحقيق قدر من الاستقرار المالي والاجتماعي.

أما إسلام، صديق آخر وطالب بكلية الحاسبات والمعلومات، كان من المفترض أن يتخرج العام الماضي، لكنه مرّ بعثرة أجبرته على إعادة السنة، ومع ذلك، لديه نظرة مختلفة، حيث يؤمن بأن الاستقرار ليس مرهونًا بمكانٍ أو ظرف، بل ينبع من داخل الإنسان ذاته، من مدى اجتهاده وإصراره على النجاح.

يعجبني أنه يعتقد أن بإمكان الشاب أن يبني مستقبله في بلده دون الحاجة إلى الهجرة، بشرط أن يطور من نفسه ويعمل بإخلاص فيما يحب، ومع أنه يعارض فكرة السفر كحل وحيد، فإنه لا ينكر التحديات التي تواجه جيله، خاصةً ما يتعلق بتكوين أسرة.

فهو يرى أن كثيرًا من الأسر تضع شروطًا قاسية تفوق قدرات الشاب العادي، ما يجعله مضطرًا إما للعمل في وظيفتين لتأمين المطلوب، أو تأجيل فكرة الزواج حتى يكون أكثر جاهزية واستقرارًا.

ثم جاء دور محمود، الذي كان أكثرنا هدوءًا وبساطة، تكلم بثقة لافتة وقال: "أنا لا أشغل بالي بهذه الأمور الآن، أؤمن أن لكل مرحلة وقتها المناسب، الآن تركيزي منصب على دراستي فقط، وأسعى لأن أتقن مجالي، أما الرزق، فهو بيد الله وسيأتي حين يشاء، عندما أنهي دراستي وأشعر أنني مستعد، سأفكر في العمل، ثم في الزواج، لكنني لا أرى جدوى من القلق المسبق، لا أريد أن أضيع لحظات شبابي بالتفكير فيما لم يأتِ بعد".

كانت كلماته تحمل صفاءً قلّما نراه في هذا العمر، وثقة نابعة من قناعة داخلية بأن الله لن يخذل من يسعى ويجتهد.

انتهت جلستنا، وغادرنا المكان وكلٌّ منا يحمل في ذهنه تساؤلاته الخاصة، لكن كلمات الأصدقاء ظلت تتردد في رأسي، ربما لأنها لامست شيئًا بداخلنا جميعًا.

ورغم اختلاف آرائنا وتوجهاتنا، اتفقنا على شيء واحد: أننا لا نعلم ما يخبئه لنا الغد، لكننا ندرك أن السعي المستمر، والاجتهاد الحقيقي، والرضا بما كتبه الله، هو ما يمنحنا الطمأنينة في هذه الحياة المليئة بالتقلبات.

ربما، في يومٍ ما، سنعود إلى هذا المكان بعد سنوات، وقد نكون سلكنا طرقًا مختلفة، وواجهنا تحديات متنوعة، ونروي لبعضنا قصص النجاح أو محطات الفشل.. من يدري؟، لكن المؤكد أننا سنحمل في ذاكرتنا هذه اللحظات، وهذه النقاشات الصادقة التي عبّرت عن قلوب شباب يحلم بالاستقرار، ويبحث عن ذاته في زمن متقلب.