ذبح الأضحية بين التراث والحداثة

تصميم/ محمد صلاح

Written By حبيبة حجازي
2025-06-03 11:00:06

مع اقتراب عيد الأضحى، تغمرني مشاعر من الحنين إلى الماضي والتأمل في ملامح المستقبل. منذ طفولتي، كنت أستقبل هذا العيد بلهفة شديدة، ليس فقط من أجل العيدية أو اللحوم الطازجة، بل لأنني كنت أرى والدي وجدي وجارنا الحاج محمد يستعدون لطقوس الذبح وكأنهم يؤدون شعيرة لا تقل قدسية عن الصلاة. 

بعد صلاة العيد مباشرة، كانوا يبدؤون في تجهيز الأضحية ويستدعون جزارًا يتولى ذبح أضاحي القرية بأكملها، ثم نبدأ جميعًا أنا وجدي ووالدي وجارنا وأبناؤه في توزيع اللحوم الطازجة على المحتاجين والفقراء.

لكن هذا العام بدأت أطرح على نفسي تساؤلات هل ما زال الذبح اليدوي هو الخيار الأفضل كما تعودنا عليه؟ أم أن الذبح الإلكتروني أو الآلي أصبح البديل الأنسب من حيث النظافة والأمان؟.

لأن الذبح الإلكتروني لا يعني فقط استخدام أدوات حديثة، بل غالبًا ما يكون عبر الاشتراك في سهم من أضحية تذبحها جمعية (أون لاين) أو داخل مجزر آلي يستخدم أدوات حديثة، دون حضور مباشر من المضحي، الذي يستلم اللحوم جاهزة إلى المنزل، دون أن يرى مشهد الذبح أو يعيش أجواءه، ولا يسمع تهليل الأطفال أو يشاركهم فرحتهم.

في قريتنا بمحافظة سوهاج تبدو مشاهد ما بعد الذبح وكأنها مقتطفات من فيلم رعب، الدماء تغمر الأرض في كل زاوية، وأحشاء المواشي متناثرة في كل مكان، ورغم ذلك يظل الذبح اليدوي جزءًا لا يتجزأ من طقوس العيد بالنسبة لي. 

كنت أستيقظ على صوت التلبية الصادح من المساجد، وأراقب الرجال وهم ينظفون الساحات أمام البيوت، يسنّون السكاكين، وتعمّ البهجة المكان، حيث يرمز الذبح اليدوي لي بالعطاء والتواصل، ويحمل قيمة روحية واجتماعية لا تُنسى.

لكن في العام الماضي، رافقت صديقتي لحضور ذبح آلي في مجزر، كان كل شيء منظمًا ونظيفًا إلى درجة لم اعتدها لا دماء تسيل، لا ازدحام، ولا روائح منفّرة، على عكس الذبح اليدوي الذي يقوم به الأهل، ويحمل رهبة وروحًا وطمأنينة لا يمكن إنكارها، في حين يتميز الإلكتروني بالدقة والنظام، ففي قريتنا، يعرف الجزار الزبائن بأسمائهم، ويحرص على طمأنة أهل البيت قبل أن يبدأ. 

أما في المجزر الإلكتروني، تسير الأمور بسلاسة، لكن دون تواصل إنساني أو دفء مشاعر، يرى البعض أن الذبح الإلكتروني أكثر رحمة بالحيوان والناس، فيما يتمسك آخرون بالذبح اليدوي باعتباره أكثر بركة لاتباعه سنة النبي.

في قريتنا، لا يُنظر إلى الذبح كعملية فحسب، بل كحدث اجتماعي يضم الأطفال والنساء والشباب وكبار السن، تُوزع خلاله اللحوم وتُروى الحكايات، أما فكرة الذبح داخل مجزر معقم، دون وجود الأهل أو صوت التهليل، فتبدو للكثيرين -ولي شخصيًا- باردة وغريبة. 

ومع ذلك، بدأ البعض يغير رأيه، خصوصًا من تأذى من فوضى الذبح في الشوارع، أو من تأثرت مشاعر أطفاله بمشاهد دموية قاسية دون قصد.

ومع انتهاء الذبح في قريتنا، تمتلئ الشوارع بالدماء وبقايا الأضاحي، وعلى الرغم من محاولات التنظيف، تظل رائحة الدم والروائح الكريهة عالقة لأيام، أما في الذبح الإلكتروني، فهناك شبكات صرف مخصصة، وغرف تبريد، وطبيب بيطري يشرف على كل خطوة في العملية.

ومع اقتراب العيد، أجد نفسي في دوامة التفكير، هل نواصل السير على خطى العادات والتقاليد، أم نواكب التطور ونتبنى الذبح الإلكتروني؟ لأن الذبح ليس مجرد شعيرة دينية، بل أصبح طقسًا راسخًا في وجداننا نمارسه في كل عيد أضحى.