نضج لم أطلبه

تصميم/ محمد صلاح

Written By حبيبة حجازي
2025-05-27 13:29:54

هل حدث أن استيقظت يوماً لتجد نفسك قد كبرت فجأة؟ لا مقدمات، لا مؤشرات، فقط عالم جديد يتطلب منك أن تكون "جاهزًا" بكل ما تحمل الكلمة من مسؤولية وثقل، الوقت يركض كأنه لحظة، والقرارات تتساقط فوق رأسك كالمطر، وكل ما حولك يتغير وأنت في منتصف المشهد، تحاول أن تواكب.

كبرتُ فجأة، ووجدتُ نفسي بين مسؤوليات تفوق احتمالي، وقرارات أصعب مما توقعت، ووقتٍ لا ينتظر أحدًا، من الثانوية إلى الجامعة كان الانتقال صعبًا في الحياة والمسؤوليات، لم أكن مستعدة لهذه القفزة من مرحلة إلى أخرى، ولم أرغب بها من الأساس. 

كنتُ طالبة ثانوية مرحة، خفيفة الروح، محاطة بصديقاتي اللاتي أحببتهن بعمق، نضحك، نخرج، ندرس، ونصنع ذكرياتٍ لم تكن مجرد صور عابرة، بل حياة كاملة.

لم أتمنّ يومًا أن نفترق، لكن الجامعة فرّقتنا، وسحبتني إلى عالم جديد لا مساحة فيه لطفلة الأمس، نضجتُ دون أن أطلب ذلك، وكأن أحدهم قرر نيابةً عني أن الوقت قد حان، وجدتُ نفسي فجأة مطالبة بأن أكون مستعدة دائمًا: للمستقبل، للعمل، للعلاقات، للصورة الاجتماعية، وحتى لتغيراتي الداخلية التي جاءت دون سابق إنذار.

كلما حاولت العبور بسلام، باغتتني الذكريات وشدتني نحوها، رغم ثقل المسؤوليات، لا سيما أن الذكريات لم تكن جميلة فقط، بل كانت تشبهني؛ تذكرني بإنسانة قديمة كانت أبسط، أكثر براءة، أقل خوفًا من الأحكام والقرارات، لحظات صغيرة من الطمأنينة، وسط ضحكات الأصدقاء، أو جلسات العائلة، أو مواقف كنت أظنها عابرة، لكنها أصبحت الآن ملاذًا دافئًا وسط برود التغيير.

أشعر بالحنين، ليس فقط لأشخاص أو أماكن، بل لنفسي، كنتُ لا أريد وداع تلك النسخة البسيطة مني، لكن وسط زحمة الانتقالات، ضاعت أمنيات كثيرة، وغاب أناس كنت أظنهم دائمين، واليوم، أنظر إلى نفسي القديمة بكثير من الحب، رغم بساطتها وسذاجتها، لأنها لم تكن مثقلة بكل هذا التفكير وهذا الوعي الذي يستهلكني كل يوم.

بات المستقبل يخيفني، والغد يثقل كاهلي أكثر مما أحتمل، هناك ضغوط من كل اتجاه، من المجتمع، من التوقعات، من الشكل الخارجي، من مفاهيم النجاح، من العلاقات، وكأننا نركض في سباق بلا نهاية، بلا هدنة، بلا فسحة لالتقاط الأنفاس.

دائمًا ما يتردد داخلي السؤال، هل أكون كما يريدني الناس؟ أم كما أريد أن أكون؟ والحقيقة الأصعب أنني أحيانًا لا أعرف من أنا؟، نعاني في تلك الفترة من التشتت وحين أحاول إرضاء الجميع، أخسر نفسي، وإن حاولت أن أكون على طبيعتي، يُقال إنني أنانية، فأشعر بالذنب تجاه من حولي.

أشعر بالغربة وسط الزحام، وبالقلق في كل قرار، في كل صباح، أفتقد الأصدقاء الذين كانوا مرآتي، يفهمونني من نظراتي، يشعرون بي دون أن أتكلم، الوحدة ليست في أن أكون وحدي، بل في ألا يفهمني أحد، وهذا من أقسى المشاعر التي يمكن أن يمر بها الإنسان.

أحاول اليوم أن أطمئن نفسي أن ما أمر به طبيعي، وأن التغيّر لا يعني الفشل، بل يعني أنني أنضج، وأتشكل، وأفهم الحياة على طريقتي، أحاول أن أصدق أن شعور الغربة والقلق والتعب لا يدل على الضعف، بل هو علامة على أنني إنسانة في طور التحوّل، أخلق لي مكانًا خاصًا في هذا العالم المعقد.