كسر الأمان

تصميم/ محمد صلاح

Written By حبيبة حجازي
2025-05-22 11:25:58

حين يُفترض بالأسرة أن تكون ملاذًا آمنًا يحتضن الأحلام ويمنح الأمل، تتحول لدى البعض إلى سجن خانق، تُكتم فيه صرخات الألم، ويعلو فيه صوت العذاب النفسي على السكينة بسبب العنف الأسري الذي يتعرض له الأطفال.

هنا تتحول الجدران إلى جدران صامتة، تُخفي خلفها مشاهد من التحطيم النفسي وقتل المشاعر، في ظل نظرات باردة وصمتٍ لا يُفسَّر.

العنف الأسري ليس سلوكًا عابرًا أو تصرفًا لحظيًا يمكن تجاوزه، بل هو جريمة مركبة، تُمارس بوجوه متعددة، ولا يقتصر هذا العنف على الضرب أو الإيذاء الجسدي، بل يشمل أيضًا الإيذاء النفسي، والعاطفي، واللفظي، والاقتصادي، والجنسي، وحتى الإهمال المتعمَّد الذي يُدمّر الفرد من الداخل ببطء وصمت.

حدثتني إحدى صديقاتي عن جيرانها الذين لا يمر يوم داخل بيتهم من دون صراخ أو شجار أو عنف جسدي، حتى أصبح هذا المشهد جزءًا من يومياتهم. 

أطفالهم تأثروا بشدة، بدأت تظهر عليهم علامات القلق والتوتر، وراحوا يفتعلون المشكلات داخل مدارسهم، كأن بيئة العنف التي تربّوا فيها زرعت داخلهم مشاعر التمرد والخوف الدائم، فباتوا يحملون عنف البيت إلى الخارج دون وعي.

كما روت لي صديقتي ذاتها تجربتها الشخصية، التي كانت أشد وطأة، حيث انفصل والداها بعد مشكلات متكررة، ليبدأ فصل جديد من معاناتها، حرمها والدها من رؤية والدتها، ولم يكن يسمح لها بمغادرة المنزل إلا للذهاب إلى المدرسة. 

هذا الحصار العاطفي والنفسي أدى بها إلى نوبات بكاء حادة وهي لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، وهي في عمرٍ كان من المفترض أن يمتلئ بالطمأنينة والبراءة، لا بالحزن والقيود.

للعنف الأسري آثار نفسية عميقة، لا سيما على الأطفال، فهو يزرع فيهم شعورًا دائمًا بالخوف والقلق، ويقود إلى الاكتئاب، وانعدام الثقة بالنفس، وقد يتطور الأمر إلى سلوكيات عدوانية أو انعزالية، واضطرابات في النوم، وتراجع في المستوى الدراسي.

أما البالغون، فإن انعكاسات العنف عليهم تكون أشد قسوة، حيث قد يصابون باضطرابات نفسية مزمنة، تمتد إلى أمراض عضوية مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، إضافة إلى فقدان الثقة بالنفس، وجلد الذات، ونوبات هلع، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى التفكير في الانتحار أو السقوط في مستنقعات الإدمان والعلاقات غير الصحية.

لقد أنتج العنف الأسري أجيالًا مشوشة نفسيًا، غير قادرة على التفرقة بين ما هو صواب وما هو خطأ، أجيالًا كُسِرَ منها كثيرون، إما بانتحار أو ضياع أو إدمان، بينما يظل المجتمع متغافلًا عن أصل الجرح، وهو العنف داخل الأسرة.

دراسات عدة كشفت فداحة هذا الواقع، منها دراسة صادرة عن منظمة "اليونيسف" في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خلصت إلى أن أكثر من 60% من الأطفال يتعرضون للعنف داخل منازلهم، دون وجود أنظمة حماية أو دعم نفسي فعال.

كما أكدت دراسة أعدها مركز الخدمة النفسية في كلية الآداب جامعة عين شمس، أن هناك علاقة مباشرة بين العنف الأسري والإصابة بالقلق والاكتئاب وضعف الثقة بالنفس بين طلاب الجامعات.

النتائج النفسية للعنف الأسري لا تتوقف عند حدود الاكتئاب أو الوسواس القهري، بل تتسع لتشمل اضطرابات النوم، والانهيارات العصبية، والصرع النفسي، أما النتائج الاجتماعية، تتمثل في العزلة، وصعوبة تكوين علاقات صحية، وتراجع الأداء الأكاديمي والمهني، بل وتنتقل آثار هذا العنف إلى الأجيال التالية، ليتحول إلى دوامة لا تنتهي.

كيف لمجتمع أن ينهض وأبسط وحداته -الأسرة- باتت مكسورة ومهشمة من الداخل؟ إن العنف الأسري لا يمكن التعامل معه كقضية شخصية تخص بيتًا بعينه، بل هو أزمة مجتمعية تهدد الحاضر، وتفتك بالمستقبل.

لذلك، علينا أن نُصغي لصوت الألم قبل أن يتحول إلى جيلٍ مكسور، لنُعيد للأسرة قدسيتها، وللحب مكانته، وللرفق سلطته، لأن الأمان لا يبدأ من الشارع، بل من قلب البيت.