العولمة وسرقة "الفرح"

تصميم _باسم حنيجل

Written By رنا محمد
2025-03-06 12:48:15

كان المفترض، مع تطور العولمة، أن تساهم العولمة في تقليل الفوارق بين الثقافات المختلفة، وتجعل العالم أكثر ترابطًا من خلال تأثيرات متعددة، مثل التجارة العالمية والتطورات التكنولوجية والانتشار الواسع للمعلومات والسلع، غير أنها أدت إلى إضعاف أو اختفاء بعض العادات والتقاليد المحلية، كما في حالة بائع غزل البنات بمصر، حيث تحل المنتجات الجاهزة والتقنيات الحديثة محل الأنشطة التقليدية التي كانت جزءًا من الهوية الثقافية المحلية.

لم يكن بائع غزل البنات مجرد رجل يجول في الأزقة، بل كان فنانًا متجولًا، يحمل في يده مزماره الخشبي المزخرف، يبث عبر أنغامه دعوة مفتوحة لأطفال الحي، حيث تتراقص خطواتهم في شوارع الشمس، متلهفين لمتابعة تحول حبيبات السكر إلى خيوط حريرية تتطاير في الهواء، قبل أن تستقر في أكياس صغيرة محمولة بحب وسعادة.

كان هذا المشهد احتفالًا يوميًا، لا يُشترى بثمن، بل كان جزءًا أصيلًا من نسيج الطفولة، وخلقت رابطًا بين البائع والأطفال، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تلك المظاهر في التلاشي. 

وفي أحد الأيام، دخلت حلوى غزل البنات داخل علب بلاستيكية محكمة الإغلاق، واحتلت رفوف المتاجر الكبرى، أصبح المنتج نفسه موجودًا، بل بألوان زاهية ومذاقات اصطناعية مغرية، ولكنه فقد روحه وارتباطه بالمكان والناس واللحظة.

أصبح الطفل يحصل على قطعة حلوى غزل البنات من السوبر ماركت، في طريقه إلى المنزل، دون أن يعيش تجربة الانتظار، ودون أن يسمع صوت المزمار ويرى أصابع البائع تنسج له قطعة من السحر الحلو، إنها لحظة استهلاك سريعة، بلا إحساس أو ترقب أو سعادة حقيقية.

لا يعني التغيير دائمًا تقدمًا للأمام، فقد أتت العولمة بوعودها الوردية عن الرفاهية والسرعة، على حساب عادات قديمة فقدناها، فلم يعد الأمر مقتصرًا على بائع غزل البنات، بل هو امتداد لتغييرات أعمق؛ مثل اختفاء الدكاكين الصغيرة لصالح سلاسل المتاجر الكبرى وتراجع الحرف التقليدية أمام الإنتاج الضخم.

فهل يمكننا القول إننا تقدمنا حقًا؟ إذا كان هذا التقدم قد سلب منا الدهشة البريئة في عيون الأطفال، وسحر الطقوس البسيطة التي كانت تمنح الحياة نكهة فريدة!