"رفيقي".. رحلة ابتكار تقود المكفوفين من الظلام إلى النور

صورة أرشيفية لمريم عماد حاملة جهاز رفيقي

Written By رحمة أشرف
2025-09-30 11:00:04

قبل عام من الآن، كانت تقف سلمى عمر، طالبة بالفرقة الثانية في كلية الآداب قسم علم النفس، عند بوابة جامعة سوهاج، عيناها عاجزتان عن إدراك الطريق، وخطواتها مترددة يكسوها خوف من المجهول، كأن كل خطوة تحمل معها احتمالية الاصطدام.

ورغم أنه عامها الجامعي الثاني، إلا أنه جاء مختلفًا تمامًا، بعدما فقدت بصرها قبله بأشهر قليلة نتيجة إصابتها بضمور في العضلات، فهي لم تولد كفيفة، لكن حياتها انقلبت بين ليلة وضحاها إلى مواجهة يومية مع العتمة.

في تلك اللحظة القاسية، ظهرت مريم عماد، وكانت وقتها طالبة بالفرقة الرابعة في نفس الكلية، أمام سلمى وبدأت في مساعدتها كي تلتمس خطواتها الأولى بالجامعة، لم تكن مريم تعرف وقتها أن هذا الموقف الإنساني البسيط سيتحول إلى فكرة مشروع لافت يحصد جوائز وتكريمات.

رفيقي.. أفضل مشروع تخرج

في أغسطس الماضي، حظيت جامعة سوهاج بتكريم لافت خلال الفعاليات الختامية لقمة "ستارت" التي نظمتها وزارة التضامن الاجتماعي بالقاهرة، بحضور عدد من كبار مسؤولي الجامعات المصرية. 

جهاز رفيقي للمكفوفين

وجاء التكريم بعد فوز مشروع «رفيقي»، الذي ابتكرته مريم بعد لقائها الأول مع "سلمى"، ونال إشادات واسعة وحصد عدة جوائز في فعاليات متنوعة، من بينها حصوله على المركز الثاني في مسابقة سوهاج تبتكر التي نظمتها كلية الهندسة بالجامعة في أبريل الماضي، بالإضافة إلى مشاركته في هاكاثون MedTech في يوليو الماضي، وهي أحد أكبر مسابقات الابتكار الطبي في مصر.

من معاناة سلمى ولد "رفيقي"

تقول مريم: "حين تعرّفت على سلمى علمت أن غيابها المتكرر عن المحاضرات بسبب عجزها عن القدوم بمفردها أثّر بشكل كبير على درجاتها ومستقبلها الأكاديمي، ولم أتردد وقتها في مرافقتها من منزلها إلى الجامعة والعكس".

لكنّ بسبب اختلاف مواعيد المحاضرات اضطرت سلمى أحيانًا لخوض الرحلة بمفردها، لكنها كانت تخطو متوجسة، هذا المشهد المتكرر هزّ قلب مريم، وأشعل بداخلها سؤالًا: "لماذا لا يوجد حل يعيد للمكفوفين استقلالهم وأمانهم؟".

ومن هنا وُلدت فكرة "رفيقي"، ليس كمشروع جامعي عابر، بل كمسؤولية حملتها مريم على عاتقها، لتبتكر جهازًا يُعيد الثقة للمكفوفين تحت شعار: "اتبع رفيقي فهو يعرف الطريق".

جهاز رفيقي

لماذا رفيقي؟

تحكي مريم أن اختيارها لفئة المكفوفين لم يكن محض صدفة بل جاء نتيجة احتكاك مباشر بمعاناتهم اليومية، بعدما رأت أن هذه الفئة من أكثر الفئات حاجة إلى الدعم التكنولوجي الذي يخفف اعتمادهم على الآخرين.

تقول مريم: "لم أكن أريد الاكتفاء بالجانب النظري، بل رغبت في فهم احتياجات المستخدمين على أرض الواقع لذلك جلست مع المكفوفين، استمعت إلى تفاصيل حياتهم اليومية وتحدياتهم، وشاركتهم تجربة النماذج الأولية للجهاز".

تشرح فكرته: "هو جهاز يقدّم بديلًا عمليًا عن العصا البيضاء التقليدية، صُمم خصيصًا لتمكين المكفوفين وضعاف البصر من التنقل بثقة وأمان في حياتهم اليومية، يأتي الجهاز بحجم صغير يُحمل بسهولة في اليد، ويعتمد على مستشعرات Ultrasonic قادرة على رصد العوائق ضمن نطاق يتراوح بين 20 سم ومتر واحد، وعند اقتراب المستخدم من أي عائق، يطلق الجهاز إشعارات صوتية واهتزازية تنبهه لتفاديه".

 تطوير الجهاز وتحديات التنفيذ

مرّ جهاز "رفيقي" بعدة مراحل تطوير متتالية، حيث اقتصر النموذج الأول على التنبيه الصوتي فقط، بينما جاءت النسخة الثانية مزودة ببطارية داخلية تمنح حرية أكبر في الاستخدام دون قيود الكابلات. 

مع النسخة الأحدث، أضافت مريم ميزة الاهتزاز بجانب الصوت لتصبح التنبيهات أوضح وأسهل استخدامًا في البيئات الصاخبة والمزدحمة.

لكن الطريق لم يكن خاليًا من العقبات، إذ كان أكبر التحديات أمام مريم هو تخطي حالة الخوف والريبة التي شعر بها بعض المكفوفين تجاه أداة جديدة غير مألوفة: "بفضل التجارب العملية المباشرة، نجحت في بناء جسور الثقة، وجعلت "رفيقي" خيارًا مقبولًا لديهم تدريجيًا".

طموحات مستقبلية نحو التوسع

لم تتوقف طموحات مريم عند حدود ما أنجزته حتى الآن، بل تسعى لتطوير نسخة أكثر ذكاءً من جهاز "رفيقي"، عبر ربطه بتطبيق على الهواتف الذكية مزوّد بخاصية تحديد المواقع (GPS)، ليمنح المستخدمين استقلالية تامة وشعورًا أكبر بالأمان في مختلف الأماكن.

مشروع رفيقي لمساعدة المكفوفين

لا يتوقف طموح مريم بعد تخرجها عند حدود المكفوفين، بل يمتد ليشمل جميع فئات ذوي الإعاقة، حيث تحلم بأن يتحول "رفيقي" إلى شركة تقدم حلولًا مبتكرة تُحدث فارقًا حقيقيًا في حياة من يحتاجونها.