"آية" جزّارة في ثانوية عامة: "الزباين بتيجي عشاني في عيد الأضحى"

آية هلال

Written By رحمة أشرف
2025-06-05 12:00:05

 

بثوبٍ مُلطخ بالدماء، داخل جزارة صغير في قرية الشيخ زين الدين، تقف آية هلال، أصغر جزارة في محافظة سوهاج، تفوح حولها رائحة اللحم النيء وصوت السكاكين وهي تشق طريقها في اللحم والعظم، بخبرة من ورثت المهنة لا رغمًا عنها، بل حبًا فيها.

لا تهاب آية، 18 عامًا، أعين المارة المتفحصة أو تعليقات الزبائن المندهشة، فقد اختارت أن تسير عكس التيار، حاملة إرثًا عائليًا من جدها ووالدها في مهنة الجزارة. بين كتب الثانوية العامة صباحًا وسكين المذبح مساءً، تتنقل آية بثقة، تُنهي حصصها كطالبة في الصف الثالث الثانوي سياحة وفنادق، ثم ترتدي ثوب العمل لتقف جنبًا إلى جنب مع الرجال في مذبح طنطا، تذبح وتبيع وتثبت أن الشغف أقوى من التقاليد.

نشأة آية

تقول آية: "كنت في الصف الثاني الابتدائي، عندما أمسكت أول سكين في المهنة التي ورثتها عن جدي وأبي، لأكون أول فتاة في سوهاج تتقن الجزارة في سن صغير".

وتضيف: "ماكنش فيه أولاد في العيلة، وكنت أنا الحفيدة الأولى." نشأت آية في عائلة يعمل معظم رجالها في الجزارة، اعتادت على زيارة المذبح منذ صغرها، حتى أصبح مشهد الدماء واللحوم وأصوات السكاكين جزءًا من حياتها اليومية: "كنت بروح مع أبويا من وأنا صغيرة، ومع مرور الوقت، بقى قلبي جامد، وابتديت اشتغل زي ما هو بيشتغل".

في هذه الفترة تعلمت آية كيفية التعامل مع الأدوات الحادة والمهام المختلفة في هذا المجال، من ذبح الماشية وسلخها وتقطيع اللحم، تقول: "كنت ببدأ أتعلم مع بابا خطوة بخطوة، في الأول كان الأمر صعبًا، لكن مع الوقت بقى سهل عليّ، ولما كبرت واجهت تحديات أكبر لأني من مجتمع صعيدي".

ولا تنسى آية دور جدها في حياتها، حيث تعتبره مصدر إلهامها الأول في المهنة: "أكثر ما تعلمته منه هو أن أكون أكثر قوة وألا أخاف من أحد". هو من زرع في قلبها حب المهنة، وجعلها قادرة على التعامل مع الزبائن بثقة، وهو ما جعلها تواصل مسيرتها في مهنة لا تعمل بها الكثير من الفتيات، ولا سيما في الأوقات التي يتزايد فيها العمل مثل عيد الأضحى.

تحديات مقابل الشغف

كبرت آية وزاد معها حب مهنة الجزارة، لتتولى العمل في جزارة والدها رغم صغر سنها، وتمكنت  من اختيار طريقها بثقة، ولم تؤثر عليها نظرات الدهشة أو النقد التي واجهتها من المجتمع الصعيدي المحافظ في البداية: "في الأول الناس كانت مستغربة، لما بدأت أشتغل وكانوا بيقولوا بدهشة، بنت تشتغل جزارة؟ لكن بعدين بدأوا يطلبوني بالاسم".

كان لأهلها دور كبير في تعزيز ثقتها بنفسها، حيث شجعوها منذ البداية، وحفزوها بالكلمات: "ملكيش دعوة، اقفي وامسكي السكينة وادبحي، ومتخافيش إنتي مختلفة عن أي حد، ودا الكلام اللي شجعني بشكل كبير".

هذا التشجيع منح آية القوة لتتجاوز القيود الاجتماعية، وتثبت نفسها في مهنة غالبًا ما تكون مقتصرة على الرجال، متمكنة بذلك من إيجاد مكانتها في هذا المجال الذي يتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا.

ولكن آية تعترف بصعوبة بعض جوانب المهنة، خاصة تلك التي تتطلب قوة جسدية تفوق طاقتها: "أنا شخصيًا مقدرش أشيل ربع عجل، بس الراجل يقدر"، لكنها في الوقت نفسه تؤمن بأن الفتيات يمتلكن مهارات خاصة في هذا المجال، مثل القدرة على التعامل مع القطعيات وتسوية اللحوم بشكل يتفوقن فيه على الرجال.

أسرار المهنة والعيد

تعلمت آية أسرار المهنة من والدها، الذي كان له دور كبير في تزويدها بالمعرفة، ومن الجزارين العاملين معها في محل الجزارة: "كل يوم بتعلم حاجة جديدة، من اللي حواليا وخصوصاً والدي"، وعلى الرغم من أنها قد وصلت إلى مرحلة متقدمة في إتقان المهنة، إلا أنها تواصل تطوير مهاراتها، مستفيدة من كل فرصة للتعلم.

مع اقتراب عيد الأضحى يصبح عمل آية موسم ضخم، حيث تقضي ساعات طويلة في الجزارة من أجل تلبية كل الطلبات منها، كذلك في صبيحة يوم العيد الكبير: "بقف مع الجزارين بلبس الجزارة عشان ندبح الأضاحي للناس: "كل عيد اعتدنا أن نقوم بعمل مبادرة بخصم من 50 إلى 70 جنيه من سعر كيلو اللحمة، وهذا العيد لن نتوقف أيضًا عن هذه العادة". 

تُظهر هذه المبادرات جانبًا إنسانيًا في شخصية آية، وتُعبر عن رغبتها في تسهيل حياة الناس من حولها، خصوصًا في أيام العيد التي يتزايد فيها الطلب على اللحوم.

تقول: "نستعد للعيد من خلال التجول في القرية بالعجول التي سنذبحها، ونضع على رؤوسها بالونات ونزينها لكي يشعر الناس في القرية بأجواء العيد، نردد التكبيرات ونحن نلف حول العجول، ونهتف بعبارات مثل لحمة ودهنة يا زباين، لحم العجول".

وتضيف: "بالنسبة لي، العيد يعني الذبح، أترقب فرحة الأطفال أثناء الذبح وسماع التكبيرات، هناك من يطلب مني القدوم خصيصًا، وآخرون يتصلون بي لأذهب وأذبح في المنازل، بالنسبة لي، العمل هو مصدر فرحتي في العيد، وبسبب طبيعة عملي، يكون يومي بالكامل مخصصًا للعمل خلال العيد، وهذا الأمر يسعدني".

تحلم آية بأن تكمل تعليمها الجامعي، حيث ترغب في الالتحاق بكلية السياحة والفنادق، ولكن طموحاتها لا تتوقف هنا، فهي تحلم أيضًا بفتح محل جزارة يحمل اسمها، وتقول بحماس: "نفسي يكون عندي محل باسم جزارة بنت الأكابر تقديرًا لأبويا وجدي، وكل الزباين تيجي عشاني، ويكون فيه معدات حديثة".

"هنا كيلو أحمر متشفي، كيلو كندوز بلدي على ضمانتي".. بهذه العبارات تنادي آية وسط زحام الزبائن، صوتها لا يعلو فقط فوق ضجيج السوق، لا تخجل من الوقوف وسط الرجال، ولا تتردد لحظة في الإمساك بالسكين أو الميزان.