"محمد محمدين" الفائز بجائزة الأقصر الأدبية: "الشعر بوابة المعنى" (حوار)

الشاعر محمد محمدين

Written By رحمة أشرف
2025-06-04 12:56:14

 

تجربة شعرية غنية، تحمل الكثير من الصدق والعمق، كانت كفيلة بأن تضع الشاعر محمد محمدين، ابن محافظة سوهاج، في صدارة الفائزين بمسابقة الأقصر الأدبية الكبرى، حيث اقتنص المركز الأول بديوانه الأخير "بينزف دمع في الكواليس"، الذي حمل مشاعر إنسانية ورسائل مؤثرة.

يمضي محمدين في مسيرته الإبداعية بخطى ثابتة، واضعًا بصمته في عالم الشعر، من خلال لغة شفافة وأفكار متجددة.

في هذا الحوار، نقترب منه أكثر، لنتعرف على بداياته، وكواليس فوزه، وطموحاته القادمة، ورؤيته للمشهد الثقافي والشعري في مصر اليوم.

- كيف كانت بدايتك مع الشعر؟

أنا شاعر أكتب بالعامية والفصحى، وأعمل محاضرًا بالهيئة العامة لقصور الثقافة، بدأت رحلتي مع الشعر منذ سنوات، وتحديدًا في مرحلة الثانوية العامة، عندما اطلعت في المكتبة على نماذج من قصائد شعراء الفصحى مثل أحمد شوقي، وإبراهيم ناجي، ثم أمل دنقل وغيرهم، ومن شعراء العامية عبدالرحمن الأبنودي، وأحمد فؤاد نجم، وفؤاد حداد.

عرفت طريق كتابة الشعر أثناء دراستي الجامعية حين انضممت إلى نادي أدب طهطا وترددت على نادي أدب سوهاج، حيث استفدت من خبرات أساتذة وأدباء كبار، وانطلقت في كتابة القصيدة العامية.

نُشرت لي عدة قصائد في عدد من الجرائد والمجلات المصرية، منها جريدة المساء، أخبار الأدب، جريدة الجمهورية، ومجلة الثقافة الجديدة، وبدأت أشارك في المسابقات الشعرية، وكان لي شرف الفوز بعدة جوائز على مستوى الجمهورية، من بينها جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة في ديوان شعر العامية عامي 2002 و2005، وجائزة جريدة الجمهورية في شعر العامية، وجائزة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية عن شعر حرب أكتوبر، وصدر لي أكثر من ديوان شعري في شعر العامية المصرية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

- ماذا يعني لك فوز ديوانك بالمركز الأول في مسابقة الأقصر الأدبية؟
يمثل هذا الفوز خطوة جديدة ومهمة في مسيرتي الأدبية، أخطو من خلالها نحو أفق أوسع وساحة أكثر رحابة، هذا التقدير أتاح لي التعرف على تجارب إبداعية لأدباء آخرين، والوصول إلى جمهور مختلف يسعدني أن يطّلع على تجربتي الأدبية، لأن الأديب لا يتوقف عن السعي لاكتساب المعرفة والانفتاح على تجارب الآخرين، سعيًا لتطوير تجربته والوصول بها إلى أكبر عدد ممكن من المتلقين، واكتساب رؤى وخبرات جديدة تغني مسيرته.

- ما كان رد فعلك عند سماع خبر فوزك في المسابقة؟ وهل كنت تتوقع الفوز؟
شعرت بسعادة كبيرة، ليس لمجرد الفوز كغاية في ذاته، بل لأن هذه الجائزة تمثل لي خطوة نحو اكتساب معرفة ثقافية جديدة، والتعرف على تجارب أدبية مغايرة، الفوز هو بمثابة الانتقال إلى "أرض ثقافية أوسع"، أما عن توقعي للفوز، فلم يكن من باب الغرور، وإنما لأنه جاء نتيجة جهد حقيقي بذلته في كتابة قصائد هذا الديوان، التي كانت ثمرة لحظات شعورية صادقة، وصلت أحيانًا إلى البكاء أثناء الكتابة، خاصة في قصائد الرثاء.

- من كان أول من أخبرته بفوزك بالجائزة؟ ومن الأشخاص الذين دعموا مسيرتك الشعرية منذ البداية؟
والدتي وأبنائي، فهم الأقرب إلى قلبي، وكان لي حظ كبير بوجود كثيرين ممن آمنوا بموهبتي، وعلى رأسهم والدي رحمه الله، ثم أساتذتي في نادي أدب طهطا، مثل الدكتور علاء الدين رمضان، والأستاذ بهاء الدين رمضان، والأستاذ محمود رمضان الطهطاوي، وكذلك من سوهاج الأديب الكبير جميل عبدالرحمن، والأستاذ محمد خضر عرابي، وغيرهم ممن أكنّ لهم كل التقدير والامتنان.

- هل ترى أن الجوائز تصنع شاعرًا؟ أم أن التفاعل مع الجمهور هو الأهم؟
الجوائز لا تصنع شاعرًا، ولا تخلق شعرًا، لكنها تمنح دفعة وتشجيعًا، الشاعر يتلقى الجائزة الحقيقية من جمهوره، حين يتفاعل مع قصيدته، ويحتفي بما يقدّمه. من هنا، فإن الجوائز تدعم التجربة لكنها لا تصنعها.

- حدّثنا عن فكرة الديوان والرسائل التي حاولت إيصالها من خلاله؟
فكرة ديوان "بينزف دمع في الكواليس" تنعكس بشكل واضح في عنوانه، فهو يضم مجموعة من القصائد التي تحمل رسائل عن التضحية في سبيل إسعاد الآخرين، ويتناول الديوان مشاعر إنسانية متعددة، من الألم والفرح، والحنين إلى لهو الطفولة، والحكمة التي كان يحملها الكبار، إلى رثاء من رحلوا، والتطلع إلى غدٍ أفضل، هذه المشاعر المتناقضة اجتمعت في قلب واحد، وعبّرت عنها القصائد بأساليب مختلفة، وسعيت من خلالها إلى نقل هذه المشاعر بصدق.

- لماذا اخترت "بينزف دمع في الكواليس" عنوانًا للديوان؟
"بينزف دمع في الكواليس" هو في الأصل عنوان إحدى قصائد الديوان، لكنه في الوقت نفسه يعكس الجو العام والمضامين الشعورية التي تحملها القصائد الأخرى، واخترت هذا العنوان لأنه يُجسد الفكرة المحورية التي يدور حولها الديوان، وهي عجز الشعر والشاعر أحيانًا عن التعبير الكامل عن تعقيدات المشاعر والمواقف الحياتية التي يمر بها الإنسان، من هنا كان العنوان تعبيرًا رمزيًا عن تلك اللحظات الصامتة التي تبكي في الخفاء، بعيدًا عن الأضواء.

- لماذا اخترت أن تكون كل قصائد الديوان بالعامية؟

أرى أن لكل من الفصحى والعامية مذاقه الخاص وجمهوره المختلف؛ اللهجة العامية قريبة من الناس، يسهل تلقيها والتفاعل معها، بينما الفصحى تتميز برصانتها وجمالها اللغوي وعمقها، ولها عشاقها كذلك، أما بالنسبة لي، فأنا أفرح بولادة كل قصيدة أكتبها، سواء بالفصحى أو العامية، فهي انعكاس لمشاعر داخلية نضجت فصارت قصيدة صادقة في مبناها ومعناها، وهذا هو الأهم. 

الأقرب إلى قلبي هي القصيدة التي تُكتب بصدق، سواء خرجت بثوب عامي أو فصيح، ففي كلتا الحالتين هي لحظة ولادة مبهجة ومميزة.

- ما أبرز الموضوعات التي تناولتها في الديوان؟ وهل يمكن القول إنه يحمل سيرة ذاتية شعرية؟
تناول الديوان موضوعات متعددة، منها الفقر، والفقد، والألم، والأمل، والحب، والثقة، والشك، والرثاء، والمعاناة، وعلى الرغم من أن بعض هذه القصائد انطلقت من تجربة شخصية، فإن الديوان لا يمثل سيرة ذاتية خاصة، بل يعبر عن حالة شعورية عامة.

- هل اعتمدت على شكل شعري معين في الديوان؟ وما سر اختيارك لهذا الشكل؟
القصائد مكتوبة بالكامل باللهجة العامية، وجاءت بشكل طبيعي، لأن القصائد هي التي اختارت لغتها وصياغتها، الشعر في جوهره إلهام.

- إلى أي مدى يعكس هذا الديوان المرحلة الشعرية التي تمر بها الآن؟ وهل يمثل تحوّلًا في تجربتك الأدبية؟
بالفعل، الديوان يعكس المرحلة التي أعيشها حاليًا، والتي أحاول فيها الموازنة بين الوصول إلى المتلقي، والابتعاد عن المباشرة الزائدة التي تضعف النص. إنها مرحلة أسعى فيها إلى كتابة قصيدة تستحق أن تُقرأ، وتصل إلى القارئ دون أن تفقد جمالها الشعري.

- كيف تمر عملية الكتابة معك؟ هل تكتب بشكل تلقائي أم تمر بمراحل معينة؟
الكتابة بالنسبة لي، كما هي عند كثير من الكتّاب، حياة موازية نحياها مليئة بالمشاعر الصادقة والمتدفقة، تتجسد في نصوص إبداعية يلمسها كل من يتذوق الصدق في الكلمات، ورغم ما يُقال من أن "أعذب الشعر أكذبه"، إلا أن هذا الكذب لا يكون إلا في الصورة والتشبيه، أما في الجوهر فهو نابع من صدق داخلي، أما عن طريقة الكتابة، فهي تأتي بتلقائية ممزوجة بالحرفية، دفقة شعورية تُصاغ داخل قالب شعري محدد، تتشكل فيه الفكرة بانسيابية، لكنها لا تخلو من وعي فني ولغوي.

- إلى أي مدى تؤثر البيئة المحيطة بك خاصة في الجنوب على لغتك الشعرية وصورك الإبداعية؟
البيئة، لا سيما في الجنوب، تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل مفردات الشاعر وصوره الشعرية، اللهجة العامية تتأثر بطبيعة الحياة اليومية، والعادات والتقاليد والمفردات المحلية، مما يمنح القصيدة نكهة خاصة، والجنوب بطبيعته وموروثه الثقافي الغني يمنح القصائد دفئًا وأصالة، وتخرج الصور والأخيلة متماشية مع الأرض والمكان والبشر.

- برأيك، ما الذي ينقص المشهد الثقافي في الصعيد ليحظى بما يستحقه من اهتمام رسمي وإعلامي؟
المشهد الثقافي في الصعيد زاخر بالإبداع، وبه رموز وقامات أدبية كبيرة، لكنه يفتقر فقط إلى التغطية الإعلامية والدعم الرسمي الكافي، ما ينقصه ليس الجوهر، بل تسليط الضوء الكافي على هذه الإبداعات وإبرازها بالشكل الذي يليق بها وبأصحابها.

- ماذا تقول لمن يرى أن الشعر أصبح ترفًا لا يتماشى مع زمن السرعة والمادية؟
أقول إن العطش الروحي لا يُروى إلا بالمعرفة، وإن الحياة رغم سرعتها تحتاج إلى وقفات نتأمل فيها أنفسنا ومعاني وجودنا، الشعر ليس ترفًا، بل هو مأوى للقلوب المتعبة، ومساحة يستعيد فيها الإنسان توازنه، وهو النبع الذي يسقي الأرواح ويمنحها القدرة على الصمود. 

- هل لديك خطط مستقبلية لدواوين أو أعمال جديدة؟
نعم، سيصدر لي قريبًا ديوان شعري للأطفال باللغة العربية الفصحى بعنوان "البستان"، وكذلك ديوان فصيح بعنوان "الصعود إلى المعنى".