في السادس من أكتوبر، حين كانت أصوات معركة النصر تعلو فتبدد صمت الهزيمة، حاملة معها عزيمة آلاف الجنود المصريين العابرين إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، كانت كلمات بلهجة نوبية تتردد في رواية ارتبطت بإحدى أشهر قصص تأمين الاتصالات خلال الحرب.
وقال أحمد إدريس، أحد أبناء النوبة، في تصريحات إعلامية سابقة، إنه اقترح استخدام اللغة النوبية في الاتصالات العسكرية، بعدما كانت القيادة المصرية تبحث عن وسيلة تحول دون فك إسرائيل للشفرات. وبحسب روايته، تحولت لغة الأجداد إلى جزء من خطة الخداع وتأمين الاتصالات خلال الحرب.
وبعد أكثر من نصف قرن، تبدو المفارقة لافتة؛ فاللغة التي ارتبطت، وفق هذه الرواية، بواحدة من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث، تواجه اليوم معركة أخرى، لا تدور على جبهة القتال، وإنما داخل البيوت وبين الأجيال، حيث يتراجع استخدامها تدريجيًا، ويكبر بعض الأبناء وهم يفهمون لغة أجدادهم دون أن يستطيعوا التحدث بها.
كيف تتراجع اللغة النوبية داخل البيوت؟
يقول محمود يوسف، فني أول بتشغيل محطة محولات السيل، لـ"عين الأسواني": "بسبب العوامل والظروف اللي اتغيرت، من ضمنها بناء السد العالي، واختلاط النوبة بالمجتمعات غير النوبية... النوبيين زمان ما كانوش بيطلعوا برة منطقتهم، وكانوا شعب شبه مقفولين على نفسهم، والحفاظ على اللسان كان أسهل، لكن الوضع اتغير تمامًا".
ومع انتقال اللغة من جيل إلى آخر، يظهر الفارق بوضوح داخل بعض الأسر؛ فاللغة التي كانت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية أصبحت في كثير من البيوت مقتصرة على أحاديث الكبار، بينما يتحدث الأبناء والبنات بالعربية.
تقول سعدية عوض، إحدى السيدات النوبيات: "أولادي بيتكلموا عربي بس، وده نتيجة إننا عايشين وسط مجتمع عربي، والأب والأم لما مش بيتكلموا نوبي باستمرار في البيت، الأبناء بطبيعة الحال مش هيتعلموها".
بدوره، يقول يوسف صيام: "الأجيال الطالعة وصلنا لمرحلة إنهم كلهم بيفهموا نوبي، بس محدش بيتكلم نوبي. لو شاب اتولد وعاش بعيد عن أسوان، طبعًا لا يمكن هيكون بيفهم أو بيتكلم نوبي".
وتقول أريام محمود: "اللغة النوبية مش مجرد كلام، دي تاريخ وذاكرة، واستخدامها كشِفرة في الحرب كان عنصرًا أساسيًا في النصر، والعدو ما عرفش يفكها لأنها لغة متفردة".
ويبدي بعض النوبيين تحفظهم على عدم تسليط الضوء الكافي في المناهج التعليمية على هذا الجانب من التاريخ، إلا أنهم يرون أن الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة يظل الهدف الأسمى.
وفي السياق ذاته، تشير نعمة حمدي إلى المبادرات الشبابية التي تهدف إلى التعريف باللغة النوبية، مؤكدة أن هذه المبادرات فتحت باب الأمل أمام استعادة اللغة النوبية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من التاريخ المصري.
وبين حسرة الكبار على تراجع اللهجة النوبية، ومحاولات الشباب استعادتها، ظهرت مبادرات تعتمد على وسائل العصر الحديث لتوثيق الكلمات وتعليمها، من بينها "كوما وإيدي" و"نوبي كورو"، اللتان تستخدمان الأغاني والفنون والفيديوهات والدورات التعليمية للوصول إلى الأطفال والشباب.
اللغة النوبية بين "كوما وإيدي" و"نوبي كورو"
وتقول حفصة أمبركاب، مؤسسة ومديرة "كوما وإيدي"، لـ"عين الأسواني": "الحفاظ على اللغة لا يحتاج بالضرورة إلى إجراءات معقدة، وإنما إلى استخدامها في الحياة اليومية: اللغة أبسط من ذلك بكثير، فهي تحتاج فقط إلى أن يتحدث بها الناس، ويغنوا بها، ويحفظوها، وأن يشعر الأهالي بقيمتها، فيبدأوا بتعليمها لأبنائهم الذين لا يعرفونها".
وتوضح أمبركاب أن المبادرة تعتمد في توثيق اللغة على كبار السن، إذ تذهب إلى لقاءاتهم وتصوير أحاديثهم باللغة النوبية، ثم تعمل على ترجمة المفردات وتوثيقها، إلى جانب تقديم دورات لتعليم اللغة للأطفال والكبار، سواء عبر الإنترنت أو بصورة مباشرة.
وتحاول المبادرة جعل تعلم اللغة أكثر قربًا من اهتمامات الأطفال، فتستخدم الأغاني والألعاب والتحديات، وتربط تعليمها بأنشطة أخرى مثل التصوير، كما شاركت في إعداد فيلم وثائقي بالتعاون مع جمعية "ألوان وأوتار"، بهدف تعليم الأطفال النوبيين اللغة ونشر الوعي بأهميتها.
وعلى الجانب الآخر، تستند مبادرة "نوبي كورو"، التي يعني اسمها باللغة النوبية "تعلم النوبية"، إلى الفن والألحان والأغاني التراثية في تعليم اللغة. يختار القائمون عليها أغاني نوبية قديمة، ثم يفككون كلماتها ويترجمونها ويشرحون معانيها بالعربية، بما يساعد على تعلم المفردات ونطقها بطريقة أكثر سهولة ومتعة، إلى جانب تقديم محتوى يتعلق باللهجات النوبية المختلفة، مثل الكنزية والفاديكية.
ولا تقتصر أنشطة المبادرة على المحتوى الرقمي، إذ تنظم لقاءات وندوات ثقافية في أسوان والقاهرة، داخل الجمعيات والنوادي النوبية، لمناقشة دور الأسرة والأم في الحفاظ على الهوية واللغة.
وهكذا، بعد 53 عامًا من حرب أكتوبر، لم تعد معركة اللغة النوبية مرتبطة بسرية الاتصالات أو بتضليل العدو؛ أصبحت معركة يومية داخل الأسرة، وفي المدرسة، وعلى شاشات الهواتف. لغة ارتبطت في الذاكرة المصرية برواية عن لحظة من لحظات الحرب، تبحث اليوم عن مكان لها في ذاكرة أبنائها، وعن جسر يصل لسان الأجداد بأجيال لم تعد تسمع النوبية بالقدر نفسه.