"لو فكرت أخرج مع أهلي قدامي الكافيهات وسعر أقل مشروب مش بيقل عن 50 جنيه"، تتحدث زينب محمد، من سكان مركز إدفو عن محدودية أماكن الترفيه المتاحة أمامها، موضحة أن الذهاب إلى مدينة أسوان حيث تتوافر خيارات أكثر، يعني رحلة تستغرق نحو ساعة ونصف بالقطار أو تكلفة 200 جنيه.
لا تجد زينب وحدها صعوبة في الوصول إلى حدائق عامة في أسوان، بعدما تقلصت المساحات الخضراء المتاحة أمام السكان، سواء بسبب تراجع حالتها أو إقامة منشآت عليها أو غلقها للتطوير.

وفي مدينة تتسم بطبيعتها الجافة وارتفاع درجات الحرارة، لا يمثل تراجع هذه المساحات خسارة لمكان للترفيه فحسب، وإنما يحد أيضًا من خيارات السكان في الحصول على مساحة مفتوحة ومجانية لقضاء الوقت.
في مدينة الصداقة الجديدة، تقول غادة أحمد، 38 عامًا، إن سكان المنطقة فقدوا حديقة عامة كانت تتبع المجمع السكني الخاص بهم وتوفر متنفسًا بسيطًا.
"المتنفس اللي كان عندنا اتدمر"، تقول غادة إنه منذ عام 2012 بدأت الحديقة في التراجع، بعد سرقة مقاعدها ثم توقف أعمال ري النجيلة وتراكم القمامة وجفاف بعض الأشجار إلى جانب انتشار المخدرات، وتضطر الآن إلى الذهاب إلى حديقة فريال في مدينة أسوان، إلا أن الوصول إليها يتطلب نحو ساعة ووسيلتي مواصلات، ما يجعل زيارتها محدودة.
- تنص المادة 45 من الدستور على أن تلتزم الدولة بحماية بحارها وشواطئها وبحيراتها وممراتها المائية ومحمياتها الطبيعية. ويحظر التعدي عليها، أو تلويثها.

المتاح أقل
يمتلك أهالي إدفو ثلاث حدائق عامة هي حورس والأندلس والأمل، إلا أن كل منها يواجه وضعًا مختلفًا؛ بينما تتعرض أجزاء من بعضها للتعدي، تخضع أخرى لأعمال تطوير لم تكتمل، فيما استُقطعت مساحات من إحداها لإقامة منشآت خدمية.
في أغسطس 2024، أصدر محافظ أسوان السابق اللواء إسماعيل كمال قرارًا بالبدء في تطوير حديقة الأندلس، التي تبلغ مساحتها نحو 3500 متر مربع، بتكلفة 13 مليون جنيه.
وبحسب ما أعلنته المحافظة في يونيو 2025، تسلمت الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري الحديقة على أن ينفذ المشروع على مرحلتين، ووصلت نسبة التنفيذ إلى 50%، مع تحديد شهرين للانتهاء من الأعمال والافتتاح، إلا أن الحديقة لم تفتح للجمهور حتى الآن.

تبلغ المساحة الإجمالية للحدائق الثلاث في مركز إدفو نحو 21 ألف متر مربع، وبمقارنتها بعدد السكان البالغ نحو 165,024 نسمة، يبلغ نصيب الفرد نحو 0.13 متر مربع.
يحدث ذلك في وقت يتراوح في المعدل العالمي الموصى به لنصيب الفرد من المساحات الخضراء والحدائق العامة بين 15 و19 مترًا مربعًا للفرد، وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.
ولا يرى محمد حسين، 39 عامًا، صاحب محل بقالة في مدينة إدفو، أن المشكلة تقتصر على تأخر تطوير حديقة بعينها، وإنما ترتبط أيضًا بتقلص المساحات المتاحة مجانًا أمام السكان.

يقول: "قبل سنوات كانت المساحات الخضراء أوسع وأكبر، أما الآن أغلبها يضم كافيتريات أو أُقيمت عليها مشروعات استثمارية، ورحلة للتنزه مع أطفالي الثلاثة هتكلّف مبلغ".
ولا يقتصر دور هذه المساحات على توفير أماكن منخفضة التكلفة للتنزه، بحسب دينا ضاحي، أخصائية نفسية بمشروع حماية الطفل التابع لليونيسف، التي توضح لـ"عين الأسواني" أن المساحات الخضراء تتيح فرصًا للراحة وتقليل الضغوط اليومية وممارسة النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي، بما قد ينعكس على جودة الحياة والتوازن النفسي.
ويظهر فقدان هذه المساحات بنفس الصورة في منطقة كيما، حيث تقول فاطمة إبراهيم حسين، 40 عامًا، إن حديقة كيما الموجودة في منطقتها أزيلت قبل نحو ثلاث سنوات وأقيمت مكانها قاعة أفراح. وتتذكر فاطمة أن الحديقة كانت توفر مساحة هادئة للجلوس والمشي.

وترى دينا أن الأطفال والمراهقين من أكثر الفئات تأثرًا بتراجع المساحات الخضراء، لحاجتهم إلى أماكن آمنة للحركة واللعب والتفاعل، إلى جانب الأسر محدودة الدخل التي قد لا تتمكن من تحمل تكلفة البدائل الترفيهية، إذ إن غياب الحدائق أحد العوامل البيئية التي قد تؤثر في مستويات الضغوط خصوصًا عندما يتزامن مع محدودية البدائل وارتفاع تكلفتها.
يستعيد حسين محمود، 48 عامًا، من سكان منطقة السيل، ذكريات طفولته في حديقتي السلام والورد، ويقول إن جيله اعتاد قضاء الوقت في الحدائق، في وقت يحاول فيه اليوم تشجيع أبنائه على ممارسة النشاط خارج المنزل في ظل انتشار الهواتف والشاشات.
- يبلغ عدد سكان حي الصداقة نحو 100 ألف نسمة حتى عام 2024، مقابل نحو 50 ألف نسمة في حي السيل عام 2026.
ويشير حسين إلى حديقة الورد التي بدأت أعمال تطويرها قبل نحو عام، موضحًا أن جزءًا محدودًا منها اكتمل، بينما لا يزال الجزء الآخر خاضعًا لأعمال التطوير.
في 27 مارس 2025، افتتح محافظ أسوان مشروع تطوير حديقة الورد بتكلفة 7.5 مليون جنيه، إلا أن جزءًا محدودًا فقط من الحديقة البالغة مساحتها 7 آلاف متر مربع اكتمل تطويره، بينما لا يزال الجزء الأكبر قيد التطوير.
تراجع الأخضر
يؤكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، لـ"عين الأسواني"، أن إقامة مشروعات استثمارية داخل الحدائق العامة يجب ألا تأتي على حساب وظيفتها الأساسية كمساحات خضراء مفتوحة، موضحًا أن الموافقة على أي مشروع يجب أن تسبقها دراسة فنية وتخطيطية وبيئية تحدد المساحة المسموح بإشغالها.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تراجع نصيب الفرد من الحدائق والمتنزهات في أسوان خلال عشر سنوات:
- 2014: بلغت مساحة الحدائق والمتنزهات نحو 1.479 مليون متر مربع، مقابل نحو 1.412 مليون نسمة، بمتوسط 1.05 متر مربع للفرد.
- 2024: تراجعت المساحة المسجلة إلى نحو 257.8 ألف متر مربع، مقابل نحو 1.738 مليون نسمة، ليصل نصيب الفرد حسابيًا إلى نحو 0.15 متر مربع.
كما انخفض عدد الحدائق والمتنزهات المسجلة في المحافظة من 114 حديقة ومنتزهًا عام 2014 إلى 96 عام 2024، وفق بيانات نشرة المرافق العامة والخدمات.
خلال جولة ميدانية بمركز مدينة إدفو في يوليو 2026، رصد المهندس عمرو لاشين، محافظ أسوان، حالة تعدٍ على أملاك الدولة داخل حديقة الأمل بوسط المدينة، وتبين استغلال أحد الأشخاص مساحة مرخصة لا تتجاوز 8 أمتار، والتوسع بالمخالفة وتأجير باقي المساحات داخل الحديقة بما يزيد على 4 آلاف متر مربع.
وباستخدام خرائط جوجل، قدرت معدّتا التقرير مساحة الحديقة بنحو 8037.55 متر مربع، ما يعني أن مساحة التعدي تتجاوز نصف مساحة الحديقة.
وأظهرت جولة ميدانية أجرتها معدتا التقرير في ثماني حدائق ومواقع كانت مخصصة كمساحات خضراء بمحافظة أسوان تفاوتًا في حالتها، بين الإهمال وتغير وظيفة بعضها بعد إقامة منشآت عليها.
ففي حديقة السلام بمدينة أسوان، تراجعت حالة النجيلة وجف جزء من الأشجار، إلى جانب وجود مقاعد مكسورة. وبالمثل، بدت حديقة الشجرة أمام مكتبة مصر العامة شبه خالية من النجيلة، مع جفاف عدد من الأشجار ومقاعد مكسورة وتراكم القمامة في أجزاء منها.
وفي حديقة الورد بمنطقة أطلس، كان جزء من الحديقة خاضعًا للتطوير، بينما ظل الجزء الآخر مستخدمًا.
وفقدت مواقع أخرى وظيفتها كحدائق عامة بعد إقامة منشآت عليها؛ إذ أُقيمت مدرسة على مساحة حديقة في منطقة السيل، ومحال للبيع على حديقة الصداقة، بينما تحولت حديقة كيما إلى قاعة أفراح، أما حديقة الصداقة الجديدة، فبدت مهجورة وتتراكم فيها القمامة، رغم قربها من سكان المنطقة.
بمراجعة الخط الزمني لتطوير الحدائق الثلاث في مدينة ومركز إدفو خلال الفترة من 2021 إلى 2025، تبين تجريف أجزاء من بعض المساحات وتقليص عدد الأشجار.
- تنص المادة 27 من قانون البيئة المصري الصادر عام 1994 على تخصيص مساحة لا تقل عن ألف متر مربع من أراضي الدولة في كل حي وكل قرية لإقامة مشتل لإنتاج الأشجار.
أثر نفسي
ويشير الدكتور حمدي عرفة إلى أن الحدائق والمساحات الخضراء ليست مجرد عناصر تجميلية داخل المدن، وإنما جزء من التخطيط العمراني والخدمات العامة، داعيًا إلى إعطاء الأولوية للأحياء ذات الكثافات السكانية المرتفعة والمناطق التي تفتقر إلى المتنفسات العامة، بدلًا من ترك توزيع الحدائق لاعتبارات عشوائية أو لتوافر الأراضي فقط.
إلا أن هذا التوجه يواجه تحديات في بعض حدائق أسوان، من بينها حديقة حورس، التي تبلغ مساحتها نحو 9500 متر مربع، ودخلت مرحلة الاستثمار بنظام الانتفاع لمدة 20 عامًا عبر مزاد علني، على أن تنتهي أعمال التنفيذ خلال خمسة أشهر من تاريخ تسليمها.
وفي أغسطس 2024، وجه الدكتور إسماعيل كمال، محافظ أسوان السابق، بسرعة إصدار التراخيص اللازمة للبدء في مشروع تطوير حديقة حورس، إلا أن أعمال التطوير لم تنتهِ حتى تاريخ إعداد التقرير.
ويتجاوز أثر المساحات الخضراء الجانب الترفيهي، إذ خلصت دراسة منشورة عام 2019 في مجلة The Lancet Planetary Health، شملت نتائج 9 دراسات وأكثر من 8.3 مليون شخص في 7 دول، إلى وجود ارتباط بين زيادة المساحات الخضراء المحيطة بمساكن السكان وانخفاض خطر الوفاة، وأوصت الدراسة بإدراج زيادة المساحات الخضراء ضمن التدخلات والسياسات الهادفة إلى تحسين الصحة العامة.
تواصلنا مع محمد حسن، مدير عام إدارة الحدائق بأسوان، للوقوف على خطط تطوير الحدائق ومراعاتها لحق الأهالي في مساحات عامة للتنزه، إلا أنه طلب مهلة للرد ولم يرسل إجاباته حتى موعد نشر التقرير.
وبين تراجع المساحات الخضراء والتعديات على بعضها، يبقى حق أهالي أسوان في متنفس عام مهددًا، في ظل غياب توضيحات بشأن مستقبل هذه الحدائق.